* الرسول صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل والنموذج المتكامل، وهو في كل جانب من جوانب شخصيته عظمة باذخة وسموّ رفيع لا يُدانى.
* على الداعية أن يتحلّى بكريم الخصال وجميل الصفات؛ فهو لا يمثّل شخصه، بل يمثّل دعوةً ورسالةً وديناً.

هذا الإنسان عالم هائل من الطاقات والمكونات والعناصر، حتى قيل فيه: "وفيك انطوى العالم الأكبر"، هذا الإنسان عموماً، فكيف بأكمل الخلق وأكرمهم وأعظمهم صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كل جانب من جوانب شخصيته عظمة باذخة وسموّ رفيع لا يُدانى؛ ففي عقله وذكائه وفطنته وسعة تفكيره وبُعد نظره، هو في كل ذلك آية عظمى من آيات الله، ولا يجتمع الناس على شخص مع الحب الشديد دون أن يكون مالكاً ناصية هذه الصفات.

وفي الجانب الأخلاقي هو عظمة فائقة، وتكفيه شهادة مولاه في كتابه العزيز: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، فهل نتكلم عن الحِلم، أم عن الجُود، أم عن الصدق الذي هو فيه آية عظمى، أم عن أمانته، وهذان الخلقان وهاتان الصفتان من أمهات الأخلاق، ولقد أُطلق على النبي قبل النبوّة: "الصادق الأمين".. هل نتحدث عن شفقته ورحمته ورقّته وإنسانيته، وقد ضرب في كل ذلك المثل الأعلى. حتى إن ربّه عاتبه في بعض الآيات لشديد رأفته حتى على المشركين، إلى درجة أنه يكاد يهلك نفسه حزناً عليهم ألا يؤمنوا {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6].
أنتحدّث عن صَفْحِه ومسامحته وعفوه عمن أساء إليه وعمن ظلمه؟
وهل ننسى قوله لأهل مكة جملتهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".. هذا حديث يطول.

ومن جوانب عظمته في دعوته وفي تكامل شخصيته في هذه الدعوة؛ أنه كان يعطي من نفسه دائماً المثل الأعلى، ولذلك قال الله لنا عنه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، ولسنا نحتاج الشواهد فهي عتيدة في كل ذهن حاضرة، في الأمل واليقين والثقة بوعد الله كان المرجع، في الاستبشار مع ما عليه الواقع من شدة وقتامة كان هو المهيع، في شجاعته وإقدامه لا مزيد عليه، معاذ الله، وفي موقفه في أُحد، وفي حُنين، وفي الغار قبل ذلك، وفي كل المواطن.

في القيام من يُباريه؟ في طول العبادة من يُجاريه؟ في الاحتمال والصبر على الشدائد من يُضاهيه؟ إنه لا وجه للمقايسة أو المقاربة أو المقارنة؛ فهو في كل ذلك النموذج الأكمل والمثل الأعلى، وله قصب السبق.

ومن عناصر تكامل شخصيته؛ هذه البلاغة والفصاحة وجوامع الكَلِم. أوليس هو الداعية الذي سلاحه الكلمة، وهو في وسط قوم صَنْعتهم وبضاعتهم تدبيج الكلمة والتسابق في مضمار تجويد الكلمة وتحسين صورتها والارتقاء ببيانها.. وهو في كل هذه الأجواء كان له السهم الأعلى والحظ الأوفر والنصيب الأكمل. وإذا راجعت أمثاله وتشبيهاته كيف تأتي مطابقة للمعنى المراد، وللتوضيح والإفهام وإزالة الأبهام علمتَ مقدار عظمته في هذا الجانب.

وعناصر تكامل الشخصية أمر يطول الحديث فيه، ولكنا نأخذ قبسات من هنا ومن هناك على عجالة من الأمر بلا استقصاء أو حتى ترتيب أولويات؛ فهو -عليه أزكى الصلوات- حليم وقت الحِلْم، حازم وقت الحزم، وهو رجل القرار الصعب، وهل تظنّ أن اتخاذ قرار الحرب على الدولة الرومانية كان أمراً هيّناً؟ ولكنه كان أمراً ضروريّاً في مكانه ومحلّه، حتى لا يتطاول هؤلاء على المسلمين.

ومن عظمة هذه الشخصية أنك لو راجعت أيّ فعل من أفعاله أو قرار من قراراته صلى الله عليه وسلم، ثم حاولت أن تستدرك قشة ما وجدتَ إلى ذلك سبيلاً ولا مسلكاً.. ولا نضرب الأمثلة؛ فسيرته العطرة الشريفة كلها مثال ونموذج لذلك.. خُذ حادث الهجرة -إن كان ولا بد- فهل ترى من فطور في جوانب خطته أو من خلل في أيّ جزئية أو في التنفيذ؟ إنك لن تجد.
ومما يُبهر في شخصيته صلى الله عليه وسلم هذا الحِلم الهائل في المواطن التي تطيش فيها العقول، مثل حديث الإفك؛ فهل سجَّل التاريخ عليه أنه كلَّم رأس الفتنة كلمة أو ردَّ عليه الإساءة أو عاتبه؟ وكان يستطيع قتله بإشارة! ولكن معاذ الله، إنه الإنسان الكامل والنموذج المتكامل، وبلا مبالغة، لو أراد أحد أن يفرد لهذا الجانب المهم مجلَّداً لكتب، ولوَجَدَ مئات الشواهد حاضرة لا تحتاج في استحضارها إلى عناء.

هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب من جوانب شخصيته العظيمة، هو التكامل في هذه الشخصية صلى الله عليه وسلم، وكيف لا وهو خيرة مولاه.

نأتي الآن إلى عبرتنا من هذا الحديث، وهو كيف يستثمر الداعية هذا الأمر في الدعوة، فنقول: ينبغي أن يعلم أنّ أيّ نقص قد يعطّل عمله، كالسيارة يمكن أن يعطّلها، نقص الماء، أو نقص الزيت، أو ضعف البطارية، أو تعطّل موزّع الكهرباء... فكأنها غير موجودة، وأنت كذلك، إذا نقصت خصلة ربما أفشلت عملك، لا أريد أن أقول إنا نريد ملائكة، لا، ولكن نجتهد في التمام ما أمكن. ونتحاشى النقص ما أمكن؛ فينبغي على الداعية أن يتحلّى بكريم الخصال وجميل الصفات والبلاغة والفصاحة والعلم والتوفيق في معالجة القضايا والمشكلات، وأن يكون متعاوناً مع الناس، ودوداً بشوشاً لطيفاً.. أنتَ لستَ مِلْكَ نفسك، ولا تمثّل شخصك؛ إنك تمثّل دعوة ورسالة وديناً.. فإذا تصرف الناس بلا وزن ولا حساب، كان عليك أن تزن تصرفك وتنظر في العواقب.. واعلم أنّ أعظم رصيد، ليس المال الذي يحرص عليه الناس واجدهم وفاقدهم، وإنما هو رصيد الأخلاق والصفات والقيم والشيم.
ولتتمثّل في كل خطوة وكل حركة رسولك الأسوة الكاملة.

هذا جهد البشر، والتوفيق من الله رب البشر، ونحن نقدّم الأسباب، والنجاح بيد مُسبِّب الأسباب، لكنا لا نُقصِّر.. وهذا الدين الجميل من العجز أن نَصُدَّ الناس عنه بسلوك غير جميل!