
المجازر في التاريخ لا تنتهي ،وهي تلك التي يتسلط فيها الجبابرة على الشعوب المقهورة بفعل القوة القاهرة التي تقتحم على الشعوب طمأنينتهم في ديارهم ،فيسلبون منهم الأرض ويغتصبون العرض ويقتلون رجالهم وأطفالهم ويسبون نساءهم ،هذا تصوير بسيط جدا لواقع المجازر التي حدثت على مر التاريخ .
وفي هذه الأيام نعيش ذكريات مجزرة حدثت في قرية فلسطينية وذلك في اليوم التاسع من من نيسان لعام 1948،في قرية دير ياسين من فضاء القدس ،حيث قتل المئات من الرجال بعد أن تصدوا للعصابات الصهيونية من منظمات الإرجون وشتيرن، وقاموا ببقر بطون النساء الحوامل وقطع أثدائهن ،بعد أن قاموا بإغتصابهن، وقتل الأطفال ،في أشنع جريمة إبادة جماعية في ذلك الوقت .
إن الله كتب على هذه الأمة أنه لن يكون هناك تمكين حتى يتم تمحيص الصادقين فترتفع درجات الشهداء ،ويخزي الله القوم الكافرين.
لم تكن دير ياسين مجرد بقعة جغرافية على خارطة القدس ،بل كانت وما زالت امتحانا لضمير التاريخ الإنساني الذي سقط منذ أمد بعيد.
لقد كانت دير ياسين الشاهد الأبدي على أن الصراع هو صراع بقاء ووعي ،وهذا يعني تحول الألم إلى أمل.
إن من أعظم مهماتنا نحن الذين بقينا على قيد الحياة ،والتي كتب لنا فيها أن نشهد مجازر عديدة على مر التاريخ وما مجازر غزة منا ببعيد ،أن نعمل على الغرس في نفوس ابنائنا قاعدة مهمة تقول :
(أن الحق لا يضيع ووراءه مطالب وأن الباطل مهما طال عمره فإنه زهوق).
قضيتنا تقوم على الذاكرة الوطنية،وبدونها لا يمكن بناء أمة تعتز بتاريخها وإنجازاتها على مر العصور ،فإن ضاعت الذاكرة ضاعت الهوية وما حملته على مر العصور من إنجازات وسؤدد.
كل احتلال على مر العصور كان يعمل أولا على بث الرعب ،فكانت دير ياسين تشكل الخطيئة الأولى والتي اعتمد فيها الإحتلال على بث الرعب من إجل تهجير شعبنا المتعب، والذي غرس فينا عميقا خنجره المسموم في ظهر شعبنا المناضل ،إلا أن المغتصب أصابهم الذهول عندما وجدوا شلالات دماء المظلومين قد تحولت إلى وقود يؤجج الصمود لهذا الشعب الفلسطيني المضطهد على أرضه والمناضل من أجل حقوقه الوطنية المشروعة.
إن صراعنا اليوم هو صراع بين نظام الحق وفوضى الباطل ،وبين تاريخ يحمل تراثا قديما متجذر في اعماق هذه الأرض،وبين مجموعات من شذاذ الآفاق يحملون تربية البغض والكراهية والحقد والتسلط على حقوق الآخرين.
لا يمكن للنصر أن ينزل على المتخاذلين ،الذين يعيشون على فتات بساطير المغتصبين لكرامة الشعوب وحقوقهم المشروعة.
لقد شكل الاعتناء بذكرى مجزرة دير ياسين درسا مهما،يقول أن الأمة التي تنسى تاريخها تفقد مستقبلها.
لذلك كانت مراحل النضال الفلسطيني يشهد مدا وجزرا ،بمقدار ما كان هذا الشعب يتخذ أسس النظام والحزم في وضوح الأهداف كمنهج للحياة .
إن رهان العدو علينا وعلى أبنائنا يقوم على القدرة في ضرب الذاكرة الفلسطينية ونسيانها ،وبالتالي تشتيت الشمل ،وخلق واقع يقوم على تاريخ مشوه يسطر منهاجه العدو ،حتى يستطيع مع الزمن إسقاط أي حقوق لهذا الشعب المناضل ،الذي يمضي في صموده من مجزرة إلى مجزرة دون أن يفتّ ذلك في عضده أو يسقط ثوابته الوطنية.
إن الرد على هذه المذابح المنظمة ،لا يكون إلا بالتميز في كافة المجالات من غرس شجرة في صحراء قاحلة إلى بناء دولة متميزة بالعلم والشريعة والأدب،والالتزام بوحدة الشعب ،من خلال بناء جيل يعتز بتاريخه، وفق فعل نضالي متميز ،يحمل في كل نفس من أنفاسه عهده مع الله ثم مع الأرض ثم مع دماء الشهداء والأسرى، على أن لا يفرط بشبر واحد من هذه الأ ض المباركة ،بحيث تتكون أمة متراصة البنيان واضحة الهدف ثابتة الخطى .
إن دير ياسين تهمس في آذان كل واحد منا عبر تضحياتها وتقول :
(إحموا وجودكم بوحدتكم ،وصونوا كرامتكم بعلمكم وعملكم) حتى نكون تلك الطائفة التي بشّر بها رسول الله صل الله عليه وسلم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ،تلك التي على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين،لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله .
لاغالب إلا الله
فاستبشروا خيرا.
10/04/2026 22:38
