سنتان من الحرب المتواصلة على غزة ،وشهر متقطع من الغارات بعد إتفاق شرم الشيخ ،والذي كان من المفروض ،أن يتم فيه وقف إطلاق النار بالكامل ،والبدء بإيجاد حلول سياسية ومجتمعية واقتصادية ،لهذا القطاع المنكوب.

القضية اليوم وغدا ،هو ذاك التحدي الأساسي والبارز، وهو كيف يستطيع المجتمع الدولي ،إعادة غزة إلى إنسانيتها الحضارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وكيف من الممكن إعادة الإنسان الغزي الفلسطيني المنكوب حتى الثمالة،إلى إتزانه النفسي واستقراره الشخصي وأمنه المعنوي .

ليس المطلوب الآن تطبيق الديموقراطية،فقد رأى المواطن الغزي كيف ساهمت الديموقراطيات الغربية ،في تدمير قطاعه ووطنه ومأواه ،تلك التي عمدت إلى التدمير الممنهج من خلال جعل القطاع ساحة لتجارب المصانع العسكرية،وتطوير اسلحتها التدميرية.

إعادة العمران لا يكفي ،مالم يكن مقرونا بإعادة العمران البشري ،لقد أجهزت هذه الحرب الشعواء على منظومة القيم ،حيث القضاء على الرؤية التي كانت تقوم على النهوض العلمي والاجتماعي والإقتصادي، الأمر الذي يعني أن هناك حاجة ملحة إلى إعادة الحياة إلى أجساد لا زالت تتنفس وتبصر وتتحرك، ولكنها فقدت ارتباطها مع وجود صراع نفسي داخلي يحض على الإنتماء إلى هذه الأرض المحروقة، والتي هي أيضا محروسة بأعين جافاها كل شيء إلا ابصار طريق النجاة من ظلمة حرب أتت على الأخضر واليابس على حد سواء.

من المهم إعادة رسم خارطة البقاء لهذه المنظومة المدمرة،بإعادة تعريف الرابطة التي تربط المكون الإجتماعي الذي لا يزال مرابطا في غزة ،حتى يتم فهم معنى التمسك بالحق في ظل واقع مرير ولكنه في نفس الوقت مبشر ،بما أحدثه الثبات من تغيير مفاهيم العالم ????، نحو النضال الحثيث من أجل إعادة الحقوق لشعب طال إضطهاده لأكثر من سبعة عقود .

لا بد من إعادة صياغة الأولويات للشعب الفلسطيني ،من خلال التحرر من متلازمة القرار الفلسطيني المستقل،لكي يتحول بعد ذلك إلى القرار الفصائلي المستقل ،ثم القرار الفردي المستقل ،لا بد أن يكون المجهود عربيا اسلاميا يراعي خصوصية هذه الأرض المباركة ،وأنه لا يجوز التفريط بأي سنتيمتر من هذه الأرض، وذلك كثابت وطني لا يمكن التنازل عنه ،ثم الانطلاق من هذا الثابت إلى تحصيل الحقوق الوطنية ،وفق إطار زمني يكون عنوانه واضح المعالم ،لا لبس فيه ولا استرخاء.

الحاجة ملحة لترميم الذات الفلسطينية الغزية، فالإنبثاق من جديد لا يكون إلا بإرادة الغزيين أنفسهم، وليس بفرض القرارات والخيارات عليهم ،ثم يطالبهم المجتمع الدولي بإحترام هذه الخيارات والإملاءات التي لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل .

الواقع المنكوب للقطاع ،لا يرى له المواطن الغزي أن له نهاية ،في ظل وتيرة القصف المستمر والممنهج، وأمام أعين الضامن الأمريكي ،الذي يشارك بالتهديد ،والتلويح بما لم تأت به الأوائل، إن لم يرضى المنكوبون بالخيارات التي يحاول فرضها السلاح الأمريكي الغربي الإسرائيلي المشترك ،والمستمد عزيمته من دعم بعض الأنظمة العربية الاقتصادية والمعنوية. 

جوهر البقاء والاستمرار في غزة ،يقوم على أن الحفاظ على الكرامة الإنسانية ،التي تتبنى الحفاظ على الثوابت المنبثقة من صلب الحرية والاستقلال، والتي لا يمكن إسقاطها مقابل لقمة هنا وشربة ماء هناك ،بل الوفاء لتلك التضحيات العظيمة التي صبغت القطاع بالدم المغمس بالكبرياء والعزة ،واهل غزة هم مشروع حياة ولكنه بلسان حالهم الذي يقول :

ولست أبالي حين أقتل مسلما 
على أي جنبٍ كان في الله مصرعي