في عام 1973، إتخذ العاهل السعودي المرحوم بإذن الله الملك فيصل بن عبد العزيز قرارا إستراتيجيا بالدخول الى حرب أكتوبر الى جانب مصر وسوريا وبشكل مباشر عبر البوابة الإقتصادية وهو قطع النفط عن أمريكا وأوروبا، والذي يعتبر الشريان الرئيسي للإقتصاد العالمي ،وعلى رأسهم إقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية ، الأمر الذي شكّل أزمة إقتصادية عالمية ،حتى أخذت وسائل الإعلام الأمريكية تنقل بالصور قوافل السيارات التي تقف بالدور للحصول على صفيحة بنزين ، وكذلك كان الأمر في أوروبا، الأمر الذي دفع العالم الى العمل السريع من أجل وقف الحرب وتلبية بعض المطالب العربية .

موقف الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله الشجاع ، أجبر الولايات المتحدة على إرسال وزير خارجيتها في ذلك الوقت السياسي اليهودي الصهيوني المحنك هنري كيسنجر ، من أجل الضغط على الملك فيصل كي ينهي قطع إمدادات النفط وإيجاد السبل الكفيلة لإرضاء كافة أطراف النزاع في المنطقة.

الملك فيصل الذي كان يقود المملكة العربية السعودية الممتدة على الجزيرة العربية وصاحب الكلمة الأولى في دول الخليج العربي ، والذي كان يتربع على ثلث إحتياط النفط العالمي ، ويملك القصور والسيادة والجيش والحدود ، أمر بأن يتم إستقبال كيسنجر في خيمة ، وأن يُقدّم له التمر واللبن ، وهذا ماكان قد تم ، وذلك في إشارة واضحة من الملك الشجاع فيصل ، أننا مستعدون أن نعود الى حالة البداوة وهو ماكنا عليه قبل النفط ، على أن نقبل أن تُهان كرامتنا وتُلَوّث مقدساتنا في القدس الشريف ، وتم فهم الرسالة بشكل واضح من قِبَل المبعوث الأمريكي وبعد مفاوضات الخيمة ، خرج كيسنجر بتصريح في مطار الرياض ، وهو أن على أمريكا أن تُغيّر سياستها في المنطقة ، وما هي إلا شهور حتى تم إغتيال الملك فيصل طيّب الله ثراه على يدي أقرب الناس اليه إبن أخيه الذي لعبت بعقله المخابرات الأمريكية من أجل الإنتهاء من وجود قائد شجاع اعطى الأمل للأمة في وقت قلّة فيه الرجولة والكرامة.

وأمام جلال هذا الموقف ، نرى الرئيس الأمريكي يقوم بزيارة السلطة الفلسطينية في بيت لحم ، التي إستقبله فيها رئيس السلطة محمود عباس في قصر الرئاسة هناك ، وكانه صاحب دولة مستقلة غير محتلة ، بسيارات وأجهزة أمن وحرس شرف وبدلات وربطات عنق ومراسم إستقبال ، وكأن فلسطين غير محتلة تعيش في رفاهية من العيش ، بذخ في كل ما نقله الإعلام .

لقد كان من الأحرى أن يقوم رئيس السلطة بإستقبال بايدن إن كان لا بد من إستقباله ، في مخيمات جنين أو شعفاط او حوارة او بلاطة او طولكرم ، أو على قطعة أرض مشرفة على القدس حتى يرى المأساة الإستيطانية هناك ، كان عليه أن يلبس لباس النضال الفلسطيني ، وحوله أبناء الشهداء والأسرى والجرحى ، كان عليه أن يُري هذا الكاوبوي القادم من الغرب الأمريكي عزيمة الشعب الفلسطيني في إتحاد صفه ،فيكون حوله قادة الفصائل الفلسطينية على إختلاف مسمياتها ماكان منها في غزة وماكان منها في الضفة الغربية وحتى من يعيش داخل الخط الأخضر وممثلين عن الشتات.

كان يجب ان يكون اللقاء على أرض صخرية ، يُقدم للرئيس الأمريكي وجبة من الزيت والزيتون ورأس البصل ، يَدُكّهُ عباس بيديه أمام ضيفه، مخبرا إياه أن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن معونات مالية ، وإنما يبحث الآن عن حقوقه الشرعية كاملة من رأس الناقورة الى أم الرشراش ، وأنه لا يرى أمامه إلا إعادة خلط الأوراق في المنطقة ، بالعودة الى الكفاح المسلح، بعد أن لم تعد تُجدي التنازلات السلطوية عن أكثر من 78% من أرض فلسطين التاريخية ، والإعتراف بإسرائيل كدولة ، ومفاوضات عقيمة واتفاقيات أعقم منها والتي لم تصل الى نتيجة طوال اكثر من ستين عاما ومنذ ظهرت منظمة التحرير وأخذت تفاوض على مشروع روجرز السيّء الصيت ، وما جاء بعده أجل وأعظم وصولا الى أوسلو وما أدراك ما أوسلو؟؟!!

كان على ابومازن أن يستقبل بايدن الذي كان اوّل تصريح له عند هبوطه على قطعة من ارض فلسطين المحتلة ، أنه يشعر بعودته الى وطنه كيف لا وقد صرّح قبل ذلك بصهيونيته ، ثم تصريحاته على إستمرار تقديم ضماناته لحفظ أمن إسرائيل ، والوقوف بحزم ضد أي مقاطعة عالمية وأوروبية إقتصادية ضد إسرائيل ، وأنه حريص كحرص كل رؤساء أمريكا على الإستمرار في الدعم المالي والعسكري ، بل والوقوف بحزم مع اسرائيل أمام أي خطر وجودي قد يهدد بقاءها، ثم جاء التوقيع على إعلان القدس ووضع الطاقية على الرأس وزيارة مبنى الكارثة والبطولة التي يجسد قتلى إسرائيل خلال السبعين سنة الماضية .

أما نحن فماذا أحضر لنا بايدن بجعبته ، انه لا زال يؤمن بوجود دولتين ولكن الوقت لم يحن بعد بل هو غير مرئي على المدى المنظور، بالإضافة الى حفنة من الدولارات ، ووعود مجاملات هنا وهناك ، لا ترقى الى الإلتزام الفعلي .
ونحن في المقابل لا زلنا نؤكد على مد أيدينا للسلام ، ومستعدون للمفاوضات ، ولا زلنا نعمل من خلال التنسيق الأمني ، ولا زالت افكار دايتون تحوم فوق رؤوسنا .

لا يمكن أن يكون هذا النهج الإستسلامي طريقا لحل القضية الفلسطينية ، بل على قادة السلطة ومنظريها ان يعوا أن ما أُخِذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ، فانظروا الى كل قوى التحرر في العالم كيف إستطاعت ان تحرر اوطانها ، من فيتنام الى كمبوديا الى كوبا الى جنوب إفريقيا التي تحركت من قِبَل قائد كان معتقلا في السجن وهو نيلسون مانديلا .

آن الأوان أن نستحي من الله أولاً ثم من أنفسنا ومن شعوبنا ، وأن تعمل ع السلطة على ان تمد أيديها الى أبناء شعبها المحاصر في غزة، وبناء حائط صلب من المقاومة ودعمها ، كي تكون ورقة رابحة في أي مفاوضات مع المحتل، عِوَضاً عن مد الأيدي الى المحتل الذي يجتهد ليل نهار في سرقة الأرض وهدم البيوت وإستباحة المقدسات وقتل المناضلين وتعذيب الأسرى .

إنما النصر صبر ساعة 
فاستبشروا خيرا
لاغالب إلا الله.