محمد عساف من الفنانين الذين يستفزون قلمي بملاحظاتي الثاقبة والتي لن تكون إلا نقدية وذات أهمية كبرى ، تحمل هم الإبداع في الفن الفلسطيني بصفة عامة.


وفي الحفل الذي اقامه عساف في مدينة يطا يبرز التساؤل عن علاقة المتلقي وهم الجمهور بالنص والكلمة واللحن والتناغم مع مبدع نجم إسمه عساف على اعتبار أن هذا المزيج هو سر محتوى العملية الغنائية الإبداعية برمتها.

   قبل أعوام نجح المطرب الصاعد عساف في إدارة حفلة فنية شعبية في حارات وشوارع وأزقة وحواكير غزة وكان نجاحه رغم صغر سنه ورغم عدم ظهور إسمه في عالم الفن نجاحاً فائقا وظل سيدا للنص والكلمة إلا أن حصل على اللقب ودخل عالم النجومية والشهرة.

 الواقع أن المبدع عساف عاش في هذه الفترة الحرجة مرحلة مخاض ، وقلق الإبداع ، كما يعيش هذه المعاناة المشوبة بالحيرة ، وغيرها من الأمور التي تنتاب الفنان وهو في مرحلة المخاض....وكان التساؤل الأهم كيف سيغني في المهرجان والمدرجات العظيمة وظل السؤال يلازم ذاكرته هل سانجح كما نجحت في طرقات غزة وبالفعل قرر أن يبتلع النص والكلمة وتجلى في تنقيحه وتهذيبه ، ثم استئمن الجمهور الباحث عن الأصالة والإبداع والتميز والمتعة ليتكفلا به وليوصلاه إلى بر الأمان نقدا ودراسة وتأويلا وتحليلا ، وعساف هنا أدار العملية الفنية بشكل غير مألوف فغنى الأغنية الليبية والجزائرية والمصرية والخليجية والأردنية والمغربية وتألق فيها مبرزا الطرب الاصيل متحولا من مطرب صاعد إلى نجم فذ استطاع خلال فترة وجيزة الوصول إلى المونديال والغناء فوق مدرجاته وبدأ إسمه يلمع في عالم النجومية والشهرة فدخل مهرجان جرش وبابل وصلالة ودار الأوبرا المصرية وقرطاج وذاع صيته ليغني في كافة أرجاء الكرة الأرضية متنقلاً بين الولايات الأمريكية وفرنسا وألمانيا وغيرها.

كل هذا بنجاح وتفوق منقطع النظير جعل منه مطرب صاعد ونجم عالمي يجمع بين كافة أشكال الغناء بغض النظر عن المكان حيث غنى في يطا حفل عرس شعبي عادي وتألق به وغنى في دار الأوبرا المصرية ونجح فيه ووصل إلى مدرجات جرش وأجاد فيه.

وربما ابتعاد عساف عن النصوص المبتذلة التي لا تنمي فكر الجمهور المبدع ولا تطور ملكته التأويليية ، فتكاد المشاركة في خلق الأغنية الطربية تنعدم عند البعض إلا أن عساف عاش الحالة الفنية في كل مراحلها من الشارع حتى الأوبرا وبهذا جذب جمهوره واستطاع أن يحلق به طربا ورقصا ونشوة وأخذ معه هذا الجمهور إلى أبعد من ذلك عندما غنى له على هذه الأرض ما يستحق الحياه وبهذا انزاح إلى بلاغة الفن وارتقى بالمستوى الذوقي للمتلقي عبر خلق مسافة للتأمل والتدبر دون الوصول إلى المناطق المعتمة.

عساف هذا البحار السندبادي في دهاليز النص الغنائي جعله ملتزما في حدود الزمان والمكان فخرجت من حنجرته الأغنية الملتزمة فلم يرتبط بزمن معين أو مكان معين فغنى الشعبي والطربي والقصيدة معتمداً على المنابع المعرفية التي ارتوى منها والتي كونت رصيده الفني.

ربما وعي عساف الرمزي بأسطورة جلجامش أو زايوس أو بروميثيوس أو طلعة العروس أو حناء العريس وزيانته ساهم في فهمه لإدارة الحفل بكل مكوناته بمعزل عن مكانه في الشارع أو المدرج أو الزقاق أو الصالة أو العرس الشعبي أو المهرجان العالمي.

 أعتقد أن عساف يمكن أن يكون ساهري النزعة (نسبة لكاظم الساهر ) عليك ان تصعد لتفهم قصيدته وهذا يعني أن كل نصوص أغنياته العسافية سيحلل ويفسر ويؤول وفق قدرات المستمع .

 الأغنية العسافية بصفة عامة يمكن اعتبارها فضاء لغويا لم يتشكل بعد ، لحمته ملايين المشاهدين والمستمعين القادرين على الانتقاء والتشكيل وفق الخلفية الثقافية أو المخزون المعرفي ، والقدرات العقلية والفزيولوجية .

أن فن عساف يفرخ ويتناسل ويصل بنا إلى اللذة وما كان حفل يطا الا تناغم واضح بين عساف البحار المبدع والجمهور الذي يحسن الغوص وما قدمه هذا البحار من عفوية مليئة بالدرر والجواهر .

وأخيراً كان نجاح حفل يطا برهانا إضافيا إلى قدرة عساف على التشكل في كل الثنايا والاروقة والمدرجات والصالات والقصور والأزقة.