عنوان للهزيمة والتخاذل والإستسلام ، هذا العنوان الذي يكون وسيلة لتجاوز العقبات التي صنعها المختل من المحتل في سبيل تسوية حقوق أصحابها وتسويتها في الأرض.

فمنذ احتلال فلسطين من البريطانيين في الحرب العالمية الأولى ، كانت الأدوية المخدرة والمُسكِّنة للآلام تقوم على عنوان الحل الوسط ، بالنسبة لمطالب الشعب الفلسطيني الذي كان مُقَدّرا له ، أن يدفع ضريبة المصالح الدولية من أرضه ودماء أبنائه .

كانت لجان التحقيق البريطانية التي تتشكل إثر كل حركة وطنية وما نتج عنها من إصدارات للكتب ( الكتاب الأبيض الأول والثاني والثالث) ، والذي في الواقع كان شحارا أسودا اكثر من بياض هذه الكتب فيما يتعلق بحقوق الفلسطينيين، تعتبر حلول وسط للفلسطينيين ، دون المساس بأيٍّ من مكتسبات الحركة الصهيونية وعلى رأسها وعد بلفور.

ثم كان العالم عبر عصابة اللصوص المُسمّاه عصبة الأمم ثم تطورت الى هيئة الأمم ، يُصدِرُ قرارا بتقسيم فلسطين جعل 60% من أرض فلسطين التاريخية ، وطنا لليهود ، في حل رآه العالم المتحضر حلاّ وسطا وعادلا لقضية شعب عاش على أرضه منذ بدء الحياة الإنسانية ، بحيث تم تهجيره وتدميره وإبعاده .

لقد شكّلت الحلول الوسط مخرجا لبيغن والسادات في إتفاقية كامب ديفيد ، للخروج من اللآت العربية ، ووسيلة لإمداد مصر بالمال ، وتأجيلا للقضية المركزية حتى أوسلو المباركة.

كانت مذبحة صبرا وشاتيلا التي قامت بها قوات الكتائب اللبنانية ، حلا وسطا لوجه اسرائيل الديموقراطي أمام العالم بعد المذابح التي قام بها جيشها اثناء احتلاله لبلد عربي وأمام أعين الجامعة العربية .

ثم تمخّض الفيل فولد فأرا ، حيث كان الحل الوسط لتجميد القضية الفلسطينية وزيادة رقعة الإستيطان وتهويد القدس ، والإستيلاء على المقدسات ، موجودا في إتفاقية أوسلو (غزة و أريحا أولا)، ثم أصبحت وآخراً .

فكانت نتيجة هذا الحل العبقري ، سبعة وعشرون سنة من المفاوضات العبثية ، تم خلالها الإستيلاء على آلاف الدونمات ، وإهدار دماء آلاف المناضلين ، وآلاف الأسرى والجرحى والمعتقلين ، وتدمير آلاف البيوت ، وترميل وتيتيم الألاف .

لقد خلق لنا الحل الوسط الإنقسام الداخلي ، وتدمير منظمة التحرير الفلسطينية ، وإيجاد جيش من الشبيحة الذين لا يعيشون إلا على أنفاس الحلول الوسط ، التي تأتمر بمن وضعتهم قيادة دايتون على رؤوس العباد.

لقد أصبحت حلول الوسط ، سياسة ممارسة ، ودروسا يتم تعليمها في أرقى الجامعات والمعاهد والكليات ، بل أصبحت هذه الحلول متداولة في بيوتنا مع الزوجات والأبناء والبنات والجيران والأصدقاء.

وها نحن نرى المحكمة العليا الإسرائيلية تطرح حلا وسطا بشأن حي الشيخ جراح ، وهي حلول للعرب فقط ، حيث المقترح هو...
أن الفلسطينيين ابناء الجيل الأول يمكنهم البقاء في بيوتهم حتى جيلين آخرين ، وآخرين منهم البقاء لجيل آخر غيرهم ، وفي هذه فسحة للفلسطينيين لخمسة عشر سنة قادمة ، على أساس تسوية مع الشركة اليهودية يدفع من خلالها كل عائلة فلسطينية مبلغ 2400 شيكل كأجرة سنوية للشركة اليهودية خلال المدة أعلاه.

السؤال هل هذا يعتبر نجاحا للعائلات الفلسطينية ؟
الجواب ، بالطبع إن وافقوا سيكون هذا من اكبر المصائب عليهم بخاصة وعلى فلسطين عامة.

فالقضية ليست نزاعا بين مؤجر ومستأجر ، إنها قضية وجود وتاريخ وعقيدة تربطنا بهذه الأرض.

إن القبول بما يسمى(الحل الوسط) في هذه القضية ، سيفتح علينا أبوابا لتسويات في كل فلسطين التاريخية وليس حي الشيخ جراح فقط بحد ذاته.

هذه الحلول التي غذّاها تخاذل السلطة الفلسطينية بكل مستوياتها ، جعلها قاعدة يرتكز عليها المطبعين والمزمرين والضاربين على طبل الإخوة الإبراهيمية .

وما نراه اليوم من سقوط عربي في مستنقع التطبيع والعمالة مع الصهاينة، كان نتاج القرار الفلسطيني المستقل الذي ذهب نحو الحلول الخيانية لتاريخ شعبنا وأرواح الشهداء ، ومعاناة الأسرى والمقاومين الذين يتم تسليمهم بموجب التنسيق الأمني ، والذي كان هو أيضا نتاج الحل الوسط من اجل مركز شرطة وبساط احمر ولقب سيادة ومعالي ، ورتبة امنية وربطة عُنق.

جعلنا الله امة وسطا لكي نقود الأمم بالعدل والقوة ، لا لكي نستسلم ونسلم أعناقنا ومقدساتنا وأعراضنا للجلادين القادمين من أصقاع الأرض ، الذين غضب الله عليهم من فوق سبع سموات ، ورضينا عنهم حتى أصبح أسافلنا أعلانا، ولا حول ولا قوة الا بالله .

فاستبشروا خيرا 
لا غالب إلا الله