من جمالية الأغنية العسافية الثورية الناضجة أنها استطاعت تفعيل كل ما يمكن من أدوات ووسائل وساعدت في تعميق الوعي الثوري في نفوس الجماهير الممتدة من رفح حتى جنين وقامت بإيصال رسالة التغريبة الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، حيث قام محمد عساف بتنويع الوسائل الموسيقية والأدوات اللحنية وتفعيلها كعاملٌ مشجعٌ على بقاءِ الحس الإنساني حيا ينبض ويضمن عدم جمودها وتقوقعها داخل دهاليز وغياهب الجهل.

ربما أن محمد عساف أدرك الآلية الجديدة والحقيقية لصياغة وصيانة الأدوات التي يجب على كل مطرب وطني حر حسن استثمارها كونها أقصد الأغنية العسافية بوصفها سلاحًا ناعمًا عابرًا للقلوب؛ لما لها من قوة تأثير في نفوس الشبان والنساء والشيوخ فهي التي عبر صوته الجذاب أزالت الغبار عن كافة المضامين...وبصوته الجبلي الذي يقرع الطبول كهندي أحمر وبحركات يديه الاخاذة وبكلماته التي أبهرت كل المحيط أخذت أغنيته الفلسطينية الجذور تحتل مكانة رمزية ذات قيمة عالية عند الجميع، ويتداولونها فيما بينهم بكل اقتدار وبكل افتخار.

إن عساف عبر التساوق مع الأغنية تجده جسدها في أركان الواقع الفلسطيني الذي عبر عنه بكل تفاصيله ....في الحصاد وموسم الزيتون وطهور الأطفال وزيانة العريس وحناء العروس والالعاب الشعبية الطفولية وغلاء المهور وبابور الكاز والبيت القديم والجاروشة والخابية والأواني الفخارية وكانون النار وثوب المرأة الموشح بألوان العلم.

إن محمد عساف أدرك مبكراً أن أغنيته الشعبية شكلا من أشكال الحضور الوجداني في قلب وعقل الفلسطيني أينما حل وارتحل ولا شك أن مجموعته الغنائية الأخيرة والتي حملت اسم قصص من فلسطين صاحبها إيقاعات «ظريف الطول» و«مشعل» و«الميجنا» و«الدلعونا» و«يا حلالي ويا مالي» و«الموال» واستطاعت الدخول الى كل بقاع الأرض تحمل هويتها وتوزع معاناتها.