لقد كان لهذه الكلمة وزنها ومعانيها الجليلة ، التي كانت لها عند نطقها فعل السحر في المحيط الذي يُنطق بها ، ولكنها فقدت سحرها وقوة سلطتها وعنفوانها ، عندما تحولت الأجساد (الحيّة ) ، الى وعاء لأرواح ميّتة .


نعم فلسطين لم تعد فلسطين ، ففي كل تفصيل جغرافي هناك حركة لأموات يدبّون على الأرض ، لا يحملون في أجسادهم روح الحياة.

فأين رام الله القرية المدينة الواعدة بحياة الأصالة ، واين نابلس من نابلس جبل النار ، وأين جنين الرافدة للشباب ووقود الثورات ، واين الخليل والبيرة وطولكرم وقلقيلية ، من ساحات النضال ، بعد ان تحولت جميعها الى مدن تعج برجال الأعمال القادمين من ساحات النضال ، وكهوف الصمود ، وحصار بيروت ، وحمامات الشط.

اين المناضلين ؟
ولماذا تحولوا الى تجار وسماسرة ووزراء ومدراء دوائر ، وزعماء فصائل يجلسون على مقاعد ينفثون من فوقها دخان سيجارهم الكوبي ، ولا يأبهون إلا بسرد تاريخ لم يتعلموا منه الدروس.

كأننا فقدنا وجودنا ، ومفاهيمنا النضالية والوطنية ، فأصبح الوطن هو ذلك المكان الذي يملأ جيب المناضل ، وهو السلطة التي تمنح النفوذ ، وهو الكرسي الذي جعل للصعاليك حكما يستمدون قوته من الحاكم بأمر واشنطن وتل ابيب وموسكو و لندن وطهران وباريس والدوحة والقاهرة وأبوظبي .

هل هناك من بقي يفهم ماذا تحمل "ياعيب الشوم" ، من معاني؟

كان لا بد من موت العيب ، حتى يتسنى نهب الأموال ، وسرقة الفقراء ، فشعبنا الذي أُبتلي في تاريخه بالظلم من المحتل على مدى عشرات السنين ، وقاومت وصبرت وصمدت ، وجد نفسه يذبح نفسه ويقمع نفسه بيد من جاء يحميه ، فيا لتعاسة شعبنا ، الذي أُبتليَ بتجار دخلوا فلسطين تحت أسماء مستعارة منها النضال والكفاح والجهاد والفداء ، ويحملون شعار تحرير الأرض والإنسان ، وإذا التحرير هو في واقع الأمر هو تعاون مع الإحتلال ، وإستيلاء على أقوات الناس ، ومقدراتهم ، بل اصبح التحرير هو إعادة مفهوم النضال من التخلص من الإحتلال ، الى التعايش معه ، وطلب صداقته والتنسيق معه ، والتنازل له ، ولعب دور الشرطي الأمين له.

في زمن مضى كان الشعار هو على القدس رايحين شهداء بالملايين ، واليوم ، نتلمس قرية هنا ، وخربة هناك .

نعم يا عيب الشوم ، بلاد يسرقها أبناؤها ، تحت شعار الدولة والسلام العادل والشامل .
وطن يبحث عن نفسه بين اهله وعزوته وعشيرته وأقربائه وانسبائه وجيرانه وأصدقائه.

هل هذا وطن أم مبغى ؟
هل هذا وطن أم مرعى ؟
هل هذا وطن ام حظيرة خراف؟

لقد مات العيب ، عندما مات من يقدره ويعرفه ويحترمه .

لا زالت فلسطين عروس البحر ، تتزين لعريس سيحملها بين يديه ، وهو يتصبب من الحياء امام مشهد من الناس .

لا زالت فلسطين تحمل النُّدب على جبينها ، في جبالها وسهولها ووديانها وأنهارها وبحارها ، وتحمل أنبياءها وفتوحاتها وقادتها .

لا زالت فلسطين تسرد قصة انتصارها في حطين وعين جالوت وعكا وحيفا وغزة وجنين وكل مدنها.

لا زالت فلسطين تتجدد مع كل مذبحة منذ عام 1097 عندما دخل الصليبيون ساحات الأقصى وذبحوا سبعين الفا من المسلمين ، الي مذبحة دير ياسين وكفر قاسم وغيرها، وحتى كل إنتفاضاتها في وجه المحتل سواء كان للارض او للكرسي.

في شهدائها وأسراها ومعتقليها مهما كانت تحمل احزانهم ، إلا انها لا زالت تؤمن بأن من العيب الا تفتخر بهم ، وتعمل على رفع عار التخاذل عنهم ، بل ولكي تخبرهم فلسطين انها ترفض ان تموت ، بالرغم من قلة حياء بعض ابنائها الذين نزعوا برقع الحياء من وجوههم ، واسقطوا العيب من قاموسهم ، حتى يستطيعوا العيش بكرامة السكرة ، التي تبعدهم عن جلالة الفكرة.

من هنا من فلسطين 
سنصنع الغد بعون الله ، لا بعون المحتل واجهزته المرئية و غير المرئية .

فاستبشروا خيرا 
لا غالب إلا الله.