ما حدث من إشتباك عسكري بين حماس وإسرائيل ، هو في حقيقة الأمر بروفة مبدئية لأحداث حرب كبيرة قادمة الى المنطقة ، ستتغير فيها المعادلات المحلية والإقليمية ، وتسقط الحسابات الإستخبارية التي تم البناء عليها ، وتم من خلالها وضع مفاهيم الربيع العربي الذي قام وفق تعبيرات كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة على عنوان سياسي وعسكري مثير وهو (الفوضى الخلاقة)، وكل ذلك كنتيجة طبيعية لما تمخضت عنها معركة أسوار القدس.

هذه العملية العسكرية الإسرائيلية والتي قامت على مفهوم التكتيك العسكري في ميدان المعركة والذي انتج مئات القتلى وآلاف الجرحى والمشردين ، وكميات كبيرة من الحجارة المتكونة من هدم العشرات من الأبنية المدنية ، والتي تم تدميرها على انها اهداف عسكرية ، مضافا الى ذلك الوُرش والمتنزهات والشواطئ والمستشفيات ومحطات الكهرباء والشوارع والمراكز الإعلامية ......الخ
كل ذلك في المفهوم العسكري الإسرائيلي يعتبر نصرا بسبب حجم الدمار الناتج من قوة النيران الإسرائيلية وهذا أمر لا جدال فيه.

ولكن في المقابل كان التفكير الإستراتيجي لعمليات حماس يقوم على ان النصر لا يكون وفق التكتيك المتعارف عليه عسكريا من تدمير مقابل تدمير فقط ، وإنما البناء على أن العقيدة التي تجمع بين الحزبيين وغير الحزبيين والملتزمين وغيرهم من غير المؤطرين ضمن المفاهيم الحزبية هي الأماكن المقدسة في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى وقبة الصخرة المباركة.

هذا المفهوم الإستراتيجي والعمل من خلاله ادى مهامه كاملة عندما جمع عرب فلسطين التاريخية وابناء الضفة والقدس وغزة في وحدة أسقطت تفاهمات أوسلو وصفقة القرن ، وضربت بالتنسيق الأمني عرض الحائط ، بل وأصابت كبد العمل الإستخباري الإسرائيلي والعربي الأمريكي المشترك ، في مقتل ، بسبب الإخفاق الكبير في فهم ارتباط العرب والمسلمين بفلسطين ودرة تاجها المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة.  

لقد إستطاعت حماس وفصائل المقاومة تدمير نظرية الأمن الإسرائيلي القائمة على ارهاب الداخل الفلسطيني بعصا الشاباك ، الذي عمل طوال عشرات السنين على ضرب إنتماء عرب الداخل بالقضية الفلسطينية ، وسحبهم بإتجاه المال والنساء والحشيش والمخدرات والعمالة وحتى بحق الإنتخاب وعضوية الكنيست، ومحاولة أسرلتهم ودمجهم ضمن مواصفات خاصة بالحياة الغربية ، بما يكفل الهائهم عن قضاياهم المصيرية .

وقد استطاعت هذه الجولة العسكرية ، إسقاط حاجز الخوف من البوح بالمكنونات الوطنية ، بل ودفعتهم دفعا وطنيا غير قابل للتأويل نحو إسلامهم وعروبتهم ، وملتحمين مع إخوانهم في الضفة والقدس وغزة .

التفكير الإستراتيجي لحماس وإخوانهم في فصائل المقاومة ، حرك القضية الفلسطينية في الشارع العربي والإسلامي داخل الدول المجاورة ، كما حرك عواصم الدول الأجنبية ، ودفعها دفعا للبحث عن حلول للقضية الفلسطينية ، والتي تحركت بزخم الشارع الذي رفض ما يحدث من قتل ممنهج لأبناء وبنات وكهول الشعب الفلسطيني ، بل وجعل المقاومة جزءا مهما من معادلة الحل السياسي للقضية الفلسطينية.

لقد أسقط المقاومون خيانات الأمة في التطبيع مع دولة إنتُهكت سمعتها العسكرية ، ليس من دولة عظمى وأسلحة فتاكة ، وإنما من تنظيمات عسكرية محاصرة منذ سنوات عديدة من القريب ومن البعيد ، والتي استطاعت بقوة الإرادة المرتبطة بمشيئة الله سبحانه ، ضرب الجبهة الداخلية لإسرائيل في الصميم ، مما جعلها مذهولة مما يمكن ان يحصل لو كانت المعركة ممتدة على عدة جبهات تشكل حدود فلسطين التاريخية ، وقلبها النابض في حيفا وعكا والجليل والمثلث ، والمتلفعون جميعا بعمق الصحراء ونخوة البدوي العربي الأصيل.

الفكر الإستراتيجي المقاوم ، جعل نظرية الجبهة الداخلية المركزية والقوية الثابتة هباء منثورا، بحيث لا يمكن من الآن وصاعد أن يتوجه الجندي الإسرائيلي الى ساحات المعارك دون ان يلتفت الى الخلف ، حيث ما كانا آمنا نظريا لم يعد كذلك . 

هذه البروفة العسكرية التي مرّت بها المنطقة ، أعلنت بما لا يدع شَكّا في العقول ، أن المعركة الكبرى القادمة ستتضمن سلاحا إستراتيجيا لفرق المقاومة ، وهو السلاح الديموغرافي العربي والمسلم داخل جغرافية فلسطين التاريخية بالدرجة الأولى ، ثم المحيط العربي في مصر والاردن وسوريا ولبنان والعراق ، الذي تأججت مشاعره الوطنية واصبح جاهزا لإختراق الحدود ، غير آبه بمنظومات الحكام العسكرية ، والتي صرّح أفرادها بما لا يدع مجالا للشك ، انهم لن يقفوا في وجه شعوبهم وقبائلهم ، بل سيؤمِّنون لهم الدعم العسكري إذا لزم الأمر وأصبحوا ضمن دائرة الخطر.

لقد نجح الجيش الإسرائيلي في تدمير العمارات وقتل الأطفال والنساء واعتبر ذلك نصرا ، ولكن ذلك كان هزيمة إستراتيجية لهذه الدولة وهذا الجيش الذي تم تدجيجه بأعتى انواع الأسلحة من الراس الى أخمص القدمين .

وفي المقابل حقق المقاومون نصرا إستراتيجيا قلّ نظيره على المدى القريب والمتوسط والبعيد ، في تحقيق وترسيخ فكرة وحدة الأمة من المحيط الى الخليج ، على عقيدة القدس وفلسطين والمقدسات ، بل وحتى على حَيٍّ وحارة في فلسطين تمس ساكن هنا او مارٍّ هناك ، بل إن المعادلة أصبحت مقترنة بأهمية امن فلسطيني الداخل وإستقرار معيشتهم وحياتهم الإجتماعية والسياسية.

الكل متفق على ان ما بعد اسوار القدس وسيفها ، سيكون مختلفا تماما عما كان سائدا من قبل .

فاستبشروا خيرا 
فلا غالب إلا الله.