ما يحدث في القدس اليوم ، لا يتعلق بقرارات مدروسة أنتجها الفكر السياسي الفلسطيني بدقة ، ولكنه انتفاضة الضحية على الجلاد ، هذه الضحية التي كُتِب عليها ان تكون بلاط الشهداء والأسرى والجرحى من راس الناقورة الى ام الرشراش.


وبالرغم من ذلك ، فالتأجيج جاء في وقت تريد فيه السياسة فرض واقع فيه الكثير من التأزيم من اجل الوصول الى حلول ترضي جميع الأطراف ، سواء كان ذلك في المشهد الفلسطيني الداخلي ، أو الإسرائيلي الداخلي ، أو كلاهما مع المشهد الأمريكي والأوروبي من ورائه.

المعادلة القائمة في القدس اليوم ، مستوطن عنصري يعتدي على فلسطيني بغض النظر عن مركباته ، سيجد أمامه فلسطيني يخرج ليدافع عنه، وخروج حفنة من زعران كهانا ، يقابله كوكبة من ابطال فلسطين ، وإستعراض جنود الإحتلال قوتهم من خلال مساندة هؤلاء الزعران ، فهذا يعني تحريك سلاح المقاومة في غزة لنصرة كوكبة المدافعين عن القدس من خلال صواريخهم ، فإذا ضرب شرطي فلسطينيا في كتفه ، أطلقت غزة صاروخا الى جناح المستوطنات ، وإن كانت عصاة الجندي الإسرائيلي تضرب الهواء للتلويح و الإخافة فصواريخ غزة تسقط في أماكن مفتوحة ، وإذا دوّت أصوات سيارات الشرطة الإسرائيلية في شوارع القدس العربية ، قابلها سماع دويّْ صفارات الإنذار في محيط غلاف غزة .

يعني المعادلة كما جاءت (دقّة بدَقّة .. ولو زدت لزاد السقّا ).

ومن هنا فإن حسابات المخاطر التي يتولد عنها خسائر هنا وهناك والتي قد لا تأتي على حسابات البيدر ، لا يمكن بالنسبة للشعب الفلسطيني المقاوم ، إلا أن تكون في نتائجها على كل الساحات هو الإنتصار ، ولو كان ذلك محدودا ، ولكن أثره واضح على الفلسفة الإسرائيلية ، التي قامت على ان الشعب الفلسطيني وبعد ثلاث وسبعون سنة من النكبة لا يمكن الا أن يستسلم للواقع السياسي والعسكري ، ويقبل بسياسة الأمر الواقع الذي أدارها المشروع الصهيوني من خلال أحجار على رقعة الشطرنج ، والتي تم تحريكهم وفق الأجندة الصهيونية التي رتبت اوضاعها بروتوكولات حكماء صهيون بالوصول الى السيطرة الكاملة للحركة الصهيونية إحدى أدوات المحفل الماسوني ، وذلك على كامل عروش الحكام العرب الذي تجلى في الإونة الأخيرة من خلال التطبيع مع عدد من الدول العربية التي تولدت في أعقاب سايكس بيكو وما تبعها من صولات وجولات حتى المشروع الترامبي الكوشناري في ما يسمى صفقة القرن القائم على إبراهيمية المعتقد التي تجمع الأنبياء في ابوة إبراهيم ، في إشارة خبيثة أنه ليس بين ابناء العم أي إختلاف ، فما مع موشيه ، هو بطبيعة الحال مع محمد وجرجس وغيرهم.

ما يحدث في القدس حتى الآن وما سيحدث ، شكل صفعة للوجه الصهيوني سواء كان على النطاق الداخلي ، او من عبر وسائل الإتصال العالمي ، والذي يكشف يوميا عن همجية المحتل و قساوتهم و ظلمهم التي لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف من الظروف وأي مسمى من المسميات.

لا يوجد في قضية فلسطين مايمكن خسارته ، إذا تصدر المشهد من يحرص على ان أجندة فلسطين وحقوقها التاريخية والدينية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية..

الخطر الأكبر على انتفاضة القدس وما يتلوها ، هو إهتزاز قيادتها الداخلية بسبب تدخل عملاء إسرائيل الواقفين على البساط الأحمر الملون من دماء أبناء فلسطين ، بحيث يعملون على خنقها كما جرت العادة ، مقابل فتات الخبز الذي يقدم لهم 
وهنا ستكون خسائرنا كبيرة وعظيمة ايضا ، وهذا بالطبع من خلال ضرب الشعب الفلسطيني في إرادته الحرة ومطالبه المحقة .

وهنا لا بد من أن الخسارة الكبرى ستكون بزرع الفتنة من جديد بين ابناء الشعب الفلسطين ، وزيادة إنقسامهم الأمر الذي سيؤدي الى دوامة جديدة من العنف الذي آمل من الله أن لايكون في مستويات تصل الى فتنة الدماء داخل البيت الفلسطيني الواحد.

وعلى اية حال يجب أن لا تؤثر السياسات الإسرائيلية الخداعة ، على إنتاج مشاهد فلسطينية ذكية تعمل على تفعيل العمل المقاوم الى جانب العمل السياسي المدروس والقائم على إعادة النظر فلسطينيا بكل ما تم الإتفاق عليه مع الجانب الإسرائيلي ،وفق الأولويات التي يجب ان تعتلي صهوة فلسطين ارضا وشعبا و تاريخا و نضالا.

مهما كانت الخسائر التي ستتولد من رحم هذه الإنتفاضة او الهبة ، لا يمكن مقارنتها إن تم التعامل معها بحِرفية عالية مع المكاسب التي سيجنيها الشعب الفلسطيني الواحد على طرفي الوطن الحبيب وفي كل أنحاء العالم ، وخصوصا في إعادة اللُّحمة الوطنية للمشروع الفلسطيني ، ودون الإستماع الى أبواق الفتنة التي يتم تحريكها بأمر خارجي وأيادي تحمل أسماء عربية وقلوب صهيونية مريضة .

كما اننا لسنا بحاجة الى حسابات فئوية فصائلية من حيث الأرباح والخسائر في كرسي هنا ووظيفة أمنية هناك فليس كل شيخ مندوب أمين ، وليس كل لسان لا يعرف إلا اللعنات والكلمات البذيئة يمكن ان يكون الخلاص في أي وقت من الأوقات.

فليعرف الجميع ان الشعب الفلسطيني يحمل حساباته الخاصة وفق ذاكرته العامرة بمفاصل الغدر والخيانة التي إنتهجها أصحاب العيون الزرقاء ، كانت أم سوداء ، وهو بذلك الأقدر على إدارة مشروعه الوطني مهما كانت المخاطر تحمل نسبة عالية من الخسائر ، لأن في رحمها سيتخلق الإنتصار ويولد تاجا لعذابات عشرات السنين من القهر والخذلان.

لا غالب إلا الله.