أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الليلة الماضية ، عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وذلك بعد عدة اتصالات أجراها ترامب مساء الثلاثاء مع زعماء وقادة عرب أبرزهم الرئيس محمود عباس، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل عربية ودولية مناهضة للموقف الأمريكي.

وقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس صدر عن الكونجرس الأمريكي في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1995، وحمل اسم “تشريع سفارة القدس 1995”.
وحسب التشريع الأمريكي، فإن القانون الدولي يكفل لكل دولة تحديد عاصمتها، وفي هذا السياق، أعلنت “دولة إسرائيل” منذ 1950 القدس عاصمة أبدية لها، وجعلتها مقراً لكل مؤسساتها الوزارية والإدارية، وبينها مقر الرئيس والبرلمان والمحكمة العليا، كما أنها “مركز الديانة اليهودية”، وتعتبر مدينة مقدسة بالنسبة “لأعضاء ديانات أخرى”، على حد تعبير القرار.
ويضيف التشريع الأمريكي، أن “القدس كانت مدينة مقسمة، وأن المواطنين الإسرائيليين ومعتقدي الديانة اليهودية ظلوا ممنوعين من دخولها منذ 1948 وحتى 1967 حيث تم توحيدها مرة أخرى بعد حرب الأيام الستة”.
ويزعم التشريع أن “إسرائيل عملت على توحيد القدس وفسح المجال أمام معتقدي جميع الديانات للوصول إلى كل الأماكن المقدسة بالمدينة دون تضييقات”.
وبعد أن ذكّر تشريع نقل السفارة بموافقة الكونغرس ومجلسي النواب والشيوخ على التوالي عامي 1990 و1992 على كون القدس يجب أن تبقى مدينة موحدة وهي غير قابلة للتقسيم، وباتفاق غزة وأريحا أولاً، وبدء مفاوضات الحل النهائي، وبالرسالة التي وجهها 93 من أعضاء مجلس الشورى الأمريكي في آذار/ مارس 1995 التي طالبوا فيها وزير الخارجية الأميركي وقتها وارن كريستوفر بالتخطيط لنقل سفارة الولايات المتحدة إلى المدينة المقدسة.
واستغرب التشريع “كيف للولايات المتحدة أن تتخذ سفارات لها بكل عواصم العالم باستثناء إسرائيل (صديقتنا الديمقراطية وحليفتنا الاستراتيجية)، على حد توصيف التشريع الأمريكي.
وحرص المشرعون في البند الثالث من التشريع على التأكيد على أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية تنبني على الاعتراف بالقدس مدينة موحدة غير قابلة للتقسيم، وأنه يجب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، وبناء على ذلك يجب أن تكون سفارة الولايات المتحدة بعاصمة إسرائيل.
وشدد التشريع على تخصيص 75 مليون دولار من ميزانية “الصيانة والبناء بالخارج” لبناء السفارة الأميركية في القدس المحتلة، ملزماً مسؤولي الإدارة الأميركية بتقديم تقارير منتظمة لمجلسي الشورى والنواب بشأن التطورات المرتبطة بتطبيق “تشريع سفارة القدس 1995”.
على الرغم من صدور “تشريع السفارة” منذ 1995، فإن الرؤساء السابقين لدونالد ترامب كانوا يؤجلون تطبيقه، حيث انحازت السياسة الخارجية بشكل عام إلى سياسة الأمم المتحدة والقوى الكبرى الأخرى التي لا تعتبر القدس عاصمة لإسرائيل ولا تعترف بضم إسرائيل للقدس الشرقية العربية بعد احتلالها في حرب عام 1967، على أمل إنجاح مفاوضات السلام بناء على حل الدولتين.
في هذا السياق، قال المختص في الشأن الإسرائيلي، ناجي البطة، إن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس يمثل إرهاباً ومخالفة للقوانين والأعراف الدولية، لافتاً إلى أن القرارات الدولية رفضت كل ما يمارسه الاحتلال للقدس، وذلك وفق القرار (252)، القاضي برفض الاعتراف بأي أمر واقع لسلطات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.
وأوضح البطة، أن القرار الأمريكي ينسف القرار الأممي (242)، والذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وينفي كل مبادرات السلام لحل القضية الفلسطينية.
وأضاف: “سيؤثر القرار على ممارسات إسرائيل القاضية إلى ابتلاع مدينة القدس، وبالتالي تكون قد حولت مفاوضات السلام إلى مفاوضات ليس لها أي قيمة”، مشيراً إلى أن ذلك يمثل استخفافاً واستفزازاً للجماهير العربية والإسلامية.
وتابع: “لن يأخذ ترامب في عين الاعتبار إلا أمراً واحداً وهو الخوف على مصالح أمريكا في المنطقة، وهذا ما يحكم الأمر”، مرجحاً أن يكون قرار ترامب يقضي بنقل صلاحيات السفارة إلى القدس.
وأشار إلى أن اللوبي اليهودي في أمريكا سيضغط على ترامب لنقل السفارة، مشدداً على أن هناك تباين في مواقف الإدارات الأمريكية والجهات الأمنية وبكل الأحوال الأيام القادمة حبلى بالأحداث المفاجئة.
وفي حال مضي ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛  فإن ذلك سيعني الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لاسرائيل، وهذا يعني اسقاط القرار 181 الصادر سنة 1947 والقاضي بإعلان دولتين على الأرض دولة يهودية أنشأت، ودولة فلسطينية يجب أن تنشىء وتكون عاصمتها القدس الشرقية.
من ناحيته، يقول المحلل السياسي أحمد رفيق عوض، إن نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني شرعنة للاحتلال الإسرائيلي، وتشجيع أطراف أخرى لنقل سفاراتها وقتل عملية التسوية وبالتالي وضع حد للتفاوض وإنهاء فكرة السلام مع الاسرائيليين.
وأضاف عوض، أنه على إثر القرار الأمريكي سينهي اتفاق أوسلو ولن يعد هناك أي صفة للتفاوض وتنهي فكرة المشاركة والتسوية والسلام، مشيراً إلى أن القرار الأمريكي يمثل إلغاءً للحقوق الفلسطينية في القدس.
وأشار إلى أن القرار الأمريكي يُلغي كل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية وضد كافة القرارات الدولية، الأمر الذي يمثل تجني على كل ما هو فلسطيني، مشدداً على أن القرار خطير على المستوى القانوني والسياسي والإنساني.
ولفت إلى أن المنطقة ستشهد اضطراباً شديداً، وزيادة النفوذ الإيراني واكتسابه شرعية جديدة، كما سيدفع ذلك للتشويش على المصالح الأمريكية.