عندما وُزعت الدول على شعوب المنطقة، نالت بعض الشعوب شرف الحصول على دولة، وحُرمت شعوب أخرى هذا الشرف. لقد وُلدت الدول في منطقتنا بعد معاهدة سايكس – بيكو في 23 نوفمبر عام 1917. وبالرغم من أن بعض الدول لم تكن دولاً على وجه الحقيقة، إلا أنها حصلت على اعتراف القوى الكبرى بها ككيانات سياسية تعيش تحت حمايتها. ولا يُمكن تلمُّس أية معايير أو أسس أستند لها هذا التقسيم. ربما نستطيع القول أن المعيار الواضح في هذا التقسيم كان مبنياً على مراعاة مصالح الدول الكبرى، وعلى وجه الخصوص بريطانيا. ولم تكن المصالح الراهنة هي المقياس الوحيد، حيث تكشفت الحقائق تباعاً لتثبت أنهذا التقسيم راعى المصالح المستقبلية البعيدة لهذه الدول أيضاً.

لو عُدنا للوراء وعاينا انبثاق الدولة الحديثة في أوروبا عام 1648 وفق معاهدة ويستفاليا، فإننا سنلحظ أنَّ ثمة معيار تم اتباعه في تقسيم الدول وهو المعيار القومي. فقد حصلت الكتل البشرية التي تشترك في اللغة والثقافة والعرق على دولة خاصة بها وتم استبعاد الدين كهُوية للدول، لأن معاهدة ويستفاليا عُقدت بعد حروب دينية في أوروبا دُعيت بحروب الثلاثين عاما.

وهكذا فإننا أمام شكلين للدول من حيث التأسيس انبثقتا عن معاهدتين مختلفتين: الدولة الويستفالية الغربية من جهة، والدولة السيكسبيكية من جهة أخرى. فَوِفق معاهدة ويستفاليا حصلت الأمم التي كانت جاهزة ومتبلورة على دول معترف بها ضمن إقليم معترف به ضَمِنَ لها السيادة المطلقة على هذا الإقليم. أما الأمم أو أشباه الأمم التي لم تحصل على دول بسبب وضعها القومي غير الناجز، فقد حصلت لاحقاً على اعتراف بها. والحقيقة أن تشكل الدول ظل صيرورة مستمرة لم تتوقف، وكان ثمة استدراكات كثيرة أدت إلى انبثاق دول عديدة.

الشيء الملفت فيما يخص معاهدة سايكس بيكو هو عدم حصول فلسطين على حق الدولة، بالرغم من أنَّ فلسطين كانت تضم كتلة سكانية متقدمة ومتجانسة تلبي معيار الدولة أكثر من الكيانات الأخرى التي حصلت على هذا الحق من قِبَل دولة الإنتداب بريطانيا. والملفت أيضاً أنه لم يحصل أي استدراك يُصحّح هذا الوضع الاستثنائي لفلسطين. هنا تحديداً تكمن النظرة المستقبلية للدول الكبرى التي كانت تُعِد العدة لصناعة كيان جديد لا وجود له وفق المعايير التي كانت سائدة في تلك الحقبة.

وقد تجلَّت السياسة الغربية بعيدة المدى قبل ثلاثة أسابيع من الإعلان عن معاهدة سايكسبيكو، حيث تم الإعلان في 2 نوفمبر 1917 عن وعد بلفور الذي يضمن دولة قومية يهودية بالرغم من عدم توفر أيّ عنصر من عناصر هذه الدولة، فلا وجود لشعب يهودي (بالمعنى القومي للشعب) ولا وجود لإقليم يخصهم حتى يقيموا عليه هذه الدولة، فقد كان مجموع اليهود في فلسطين وقت الإعلان عن الوعد لا يتعدى عُشر السكان. لقد منحت الدول الكبرى حق الدولة المستقبلية لِعُشر السكان وحجبتها عن تسعة أعشار السكان!!.

هذه المسألة تعطينا دلالات واضحة للغاية حول الخطط الراهنة و اللاحقة للقوى الكبرى في المنطقة. لقد كان السكان اليهود في فلسطين يعانون من نقص الأهلية فيما يخص تشكيل الدولة من حيث عدم توفر أبسط مقومات الشعب فيهم. ولكن هذا النقص تم تداركه من خلال اختراع إستشراقي مستند لسرديَّة تاريخيَّة أسطوريَّة عمرها ثلاثة آلاف عام حول وجودٍ تاريخي مزعوم عاش في هذه المنطقة قبل ثلاثة آلاف عام. وهكذا حصل الكيان الصهيوني الوهمي غير المتشكِّل وغير المتبلوِّر على مسمى دولة (أو وعد بالدولة)، وحُرم الكيان الفلسطيني الجاهز والمتبلور والمتقدِّم كثيراً على غيره من الكيانات المجاورة من هذا الحق. هذا سياق تاريخي لا بُدَّ منه لأي دارس يريد أن يستشف آفاق الدولة الفلسطينية وإمكانات تشكُّلها .

عندما نستعرض كافة الأحداث التاريخية التي عصفت بمنطقتنا خلال القرن المنصرم، ونستعرض المتغيرات والتقلبات السياسية، فإنّ الثابت الوحيد فيها هو انحسار فرص تشكُّل الدولة الفلسطينية شيئاً فشيئاً وصولاً للعدم. كل ما حصل على الأرض منذ إطلاق الوعد يؤكد على خطة مبرمجة ومتفق عليها للعمل على تآكل حلم الدولة الفلسطينية. لقد تبدَّل الوضع كثيراً خلال هذا القرن، حيث تم قضم جُل مساحة فلسطين التاريخية حتى لم يبق منها سوى ما هو أقل من العُشر. وبالرغم من عشرات الخطط والاتفاقيات والجداول الزمنية، إلا أن الدولة الفلسطينية لم تقم. وما نُشاهده في اللحظة التاريخية الراهنة هو الاستعداد للخطوة الأخيرة والنهائية في القضاء التام على حلم الفلسطينيين. فبعد تنفيذ قرار الضم فإن الأرض المتبقية لن تعود صالحة لإقامة أي كيان سياسي قابل للحياة ولو في حده الأدنى، كما أن خطة الضم هذه وكما يقرؤها أي مراقب سياسي يجد بأنها إجهاز نهائي على حل الدولتين.

لقد سعت القوى الكبرى المتواطئة مع الحركة الصهيونية إلى إحباط كافة المحاولات لانبثاق أي كيان سياسي تحت مسمى فلسطين معترف به من المجتمع الدولي. بالمقابل سعت القوى الكبرى المتحالفة مع الصهيونية إلى تكريس الكيان السياسي الذي انبثق تحت مسمى " إسرائل " ومنحه المزيد والمزيد من الاعتراف والتأييد من قبل المجتمع الدولي بأساليب الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى. ولا زالت ملامح هذه السياسة هي المتبعة لغاية الوقت الراهن، وهي العمل باستماتة من أجل أن لا يكون هناك أي سابقة أو سجل أو وثيقة تنص على وجود كيان سياسي فلسطيني، ولقد كان الراحل عرفات قد لمس هذه الحقيقة بكل وضوح، حيث تم إحباط محاولاته المستمرة ومُنع من إعلان هذا الكيان في المحافل الدولية. لقد صرَّح عرفات في أكثر من مناسبة أنه يريد أن يُسجِّل سابقة تاريخية لكيان سياسي فلسطيني ولو ليوم واحد، ولكن القوى الكبرى لم تمنحه هذه الفرصة.

 هنا تتضح الأبعاد التاريخية والاستراتيجية للمشروع الصهيوني في فلسطين بوصفه مشروعاً إحلالياً لا مكان فيه لأيّ كيان سياسي فلسطيني. إن المشاريع والخطط والصفقات السياسية التي يطرحها الكيان الصهيوني تجعل السكان الفلسطينيين جزءاً من كيانات سياسية جاهزة ومعترف بها دولياً مثل مصر والأردن، لا أكثر من ذلك.

وضمن هذا الفهم الاستراتيجي، فإن كافة الجهود التي يبذلها المفاوض الفلسطيني والعربي حول كيان سياسي فلسطيني مستقل هي بلا طائل، وهي جهود ضائعة كمن يحرث في البحر. فهذا الفهم لتاريخ الصراع العربي الصهيوني يختزل الكثير من التشتُّت والضياع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. ومن هذا المنطلق فإن الوقف الكامل لمسار المفاوضات وعودة الفلسطيني مجدداً لجميع أشكال النضال وعلى الأصعدة كافة السياسية والدبلوماسية منها وغيرها هو الحل الوحيد القادر على وضع العربة الفلسطينية على المسار الصحيح. إن مقولات كمفاوضات السلام وحل الدولتين كانتا من أكبر المكائد التي دبرت وحيكت ضد الأمة العربية على وجه العموم وضد الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص خلال العقود الأخيرة، والتي أدت إلى حرف النضال الفلسطيني من أجل كسب المزيد والمزيد من الوقت لقضم الأراضي وخلق أمر واقع لا رجوع عنه ويجعل من الدولة الفلسطينية خياراً مستحيلاً.

فقد كان الكيان الصهيوني يعمل بلا كلل أو ملل في خطة الاستيطان بينما كان في الوقت ذاته يعمل على إلهاء القوى السياسية والشعبية الفلسطينية بلعبة المفاوضات التي لا تقود إلى أي نهاية، وكان شعاره هو مفاوضات إلى الأبد ومفاوضات من أجل المفاوضات فقط ليغطي على أفعاله الاستعمارية التوسعية معطياً الإنطباع أن هناك عملية سلام من جهة وتعمية لعيون المجتمع الدولي من جهة أخرى.

إن المتفحص للوضع الراهن للقضية الفلسطينية وما آلت إليه من مآلات مريرة يدرك بوضوح الحقيقة المرة ، وهي أن الكيان الصهيوني كان على الدوام يتصرف وفق عقيدة راسخة وثابتة "إما نحن أو هم".