نعيش هذه الأيام ذكريات تحمل بين دفّتيْها السعادة والحزن ، ففي مثل هذه الأيام كانت ذكرى معركتين عظيمتين من معارك المسلمين التي جسّدت معاني عظيمة كانت السبب وراء إنتصار الأمة عبر العصور مع ما رافق ذلك من نكبات هنا وهناك ، فقد كانت معركة بدر الكبرى تجسّد معاني اليقين بنصر الله سبحانه ، بالرغم من قلة العدد وضعف الإمكانيات ، بالمقارنة مع عدو يملك كل أسباب القوة وإمكانية الإنتصار ، ودون كبير عناء.

في ظل هذا الواقع كانت قيم التسامح والتعاضد والتضحية والإيثار تصنع مجد الأمة في كيفية تعامل المخلوق مع الخالق والتوسل اليه بعد اخذ الأسباب التي تؤدي الى الإنتصار ، حيث دعاء الرسول الى ربه والإجتهاد في ذلك ، جعل الله سبحانه يستجيب لعبده بمدد يصل الى ألف من الملائكة مسوّمين ، ثم في حلقة أخرى كان التنافس على قتل أعداء الله من السمات التي ميّزت الشباب المسلم وجعلت منه القدوة الحسنة لكل الأجيال حتى قيام الساعة ، الأمر الذي صنع الإنتصار على يد ثلاثماية وأربعة عشر رجلا ، وليحقق بذلك أبرز إعلان يحمل مفهوم أن القوة الإسلامية بدات تفرض وجودها على أرض الجزيرة العربية.
ثم كانت الذكرى الطيبة الثانية وهي فتح مكة ولكن هذه المرة بذوق آخر ، حيث دخول مكة من جهاتها الأربعة بعشرة آلاف مقاتل ، وليرسم ايضا صورا جميلة من صور الإقتدار والعفو عند المقدرة ، وإطلاقهم مفهوم المساواة للجميع لافرق بين ابيض واحمر وغني وفقير إلا بالتقوى.

لقد جسّد فتح مكة معاني ان تتسامى عن جراحك وذكرياتك الاليمة ، بل وترد الحقوق والأمانات إلى أصحابها ، فسدانة البيت لآل شيبة الى يوم القيامة لا ينزعها من أيديهم إلا ظالم ، وهنالك ايضا الوفاء بالوعود والمواثيق التي أعطيت لأهل مكة ، قبل الدخول اليها ، حيث من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن وكذلك من دخل داره وأغلق ليته فهو آمن ومن إلتجأ الى الحرم فهو آمن ، ليضرب الرسول والمسلمين معنى معاني العزة والكرامة والأخلاق في التعامل مع الأعداء أثناء الحروب.

وفي المقابل نعيش أيضا هذه الأيام ذكرى نكبة وإغتصاب فلسطين ، حيث هزيمة الأمة من أقصاها الى أقصاها ، وتعامل الصهاينة مع الشعب الغلسطيني عند دخولهم الىهذه الأرض، حيث القتل والمذابح في كفر قاسم ودير ياسين والطنطورة وحيفا ويافا ...الى غير ذلك من الصور الأليمة التي حملت صور الضرب والتعذيب والتهجير والطرد والترهيب في ابشع صورته ، والمستمرة الى يومنا الحالي ، مع ما رافق ذلك من دعم أممي وعلى رأس ذلك كله، الولايات المتحدة الأمريكية والتي توّجته بنقل سفارتها الى القدس من تل ابيب وفي مثل هذا اليوم .

بين الماضي والحاضر بَوْن واسع ، لين الذكرى التي خطّها المسلمون بخيوط من ذهب ، وتلك التي خطّها المستعمرون الصهاينة بِقلال من دم.

في هذه الذكرى الأليمة لا بد من التذكير أن إسم فلسطين الممتد من رأس الناقورة الى أم الرشراش ، ومن البحر الى نهر الأردن، هو بحد ذاته قامة لا تتغير ولا يمكن شطبها من سجلات التاريخ رغم مراهنة أعداء الأمة على محوها من السجلات من خلال المؤمرات والضغوط والمجازر والمشاريع التصفوية.

الزمن يسير لصالحنا ورايات الله اكبر سترتفع لا محالة فوق مآذن القدس وأسوارها وعماراتها وزقائقها ومساجدها وكنائسها وشوارعها ، والتي جميعها تروي حكاية فلسطين وشعبها المقاوم .

فإلى غدٍ مشرقٍ قريب 
إستبشروا خيرا.