" أيها الأمير... لقد أتيت إلى القاهرة خصيصًا لكي أتعلم منك".. بهذه الكلمات خاطب الثائر الارجنتيني، تشي جيفارا، المجاهد المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي، عندما جاءه سنة 1960، الى القاهرة خصيصًا للقائه والتعلم منه والاستفادة من تجربته في فنون ووسائل حرب العصابات والقتال عبر الخنادق التي كان اول من ابتكرها في جهاده ضد الاحتلال الفرنسي والاسباني لبلاده في مطلع القرن الماضي. 


هذا الرجل، أي محمد بن عبد الكريم الخطابي، لا يعرفه ولم يسمع باسمه الكثير من العرب والمسلمين الذين يتخذون من جيفارا و"هو تشي منة" و"ماوتسي تونغ"، رموزًا لهم بالثورة على الاحتلال.

وهذا ليس بالأمر الغريب، فهناك من عكف على تدوين التاريخ وتعمد طمس اسماء قادة ومجاهدين وثوار مسلمين عظماء وابعادهم عن متناول ذهن وفكر الشباب العربي المسلم. وهذا النمط، نمط غسيل الدماغ والتلاعب بالذاكرة ليس بجديد، وهو سلوك غربي ماسوني يهدف الى محاربة الإسلام بواسطة غزو ثقافي وتاريخ مستورد ليطغى على تاريخ عظماء المجاهدين والمفكرين المسلمين بشكل خاص ومحاربة الإسلام بشكل عام. 

ولنقرا ما قاله 1921 السير "كورتي"، عضو مجلس العموم البريطاني سنة 1921، عن الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي فرح لانتصاراته المسلمون في كافة بقاع الأرض، وراوا به مخلصًا لهم من هيمنة الاستعمار الصليبي. السير "كورتي" خاطب الأوروبيين محذرًا من الخطابي قائلًا:
"إن هذا إلرجل الذي ينادي باسمه أهل اَسيا وأفريقيا والهند، ويتغنون باسمه... إن هذا الرجل الذي يقاتل باسم الإسلام ويعيد امارة المؤمنين والخلافة الإسلامية، هو الخطر القادم على البلاد الأوروبية".

لم يأتي هذا القول من فراغ، فمن يتعمق بنهج وسلوك الخطابي، سيستنبط كم كان تفكيره خطيرًا على الاستعمار الغربي، ولو طُبق هذا السلوك والنهج في العالم العربي الإسلامي لما وصل العرب والمسلمون إلى حالة الذل والمهانة الذي يعيشونها منذ عشرات السنين. فعلى سبيل المثال لا الحصر،
رفض الخطابي، توجهات رفاقه الذين الحوا عليه بتلقي الدعم والسلاح من الخارج، وكان يرد عليهم بالقول:" السلاح الذي أريده موجود عند عدوي". ولذا كان يحارب الفرنسيين والاسبان بسلاحهم الذي يستولي عليه منهم خلال المعارك ضدهم.

من هو الخطابي؟
من مواليد سنة 1883 في بلدة أغادير المغربية في سنة، والذي حرص والده على تعليمه اللغة العربية وتحفيظه القراَن بنفسه، ثم أرسله إلى جامعة "القرويين" في مدينة "فاس" ليتعلم هناك الحديث والفقه الإسلامي، وتولى منصب قاضي القضاة في مدينة "مليلية" المغربية رغم صغر سنه.

وفي تلك الفترة، سنة 1906 عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء بمشاركة عدة دول أوروبية وبمشاركة الرئيس الأمريكي، لتقرير مصير المغرب، وفي نهاية المؤتمر قررت هذه الدول تقسيم بلاد المغرب الإسلامي، وبهذا التقسيم ظنّوا أنهم أنهوا الوجود الإسلامي في بلاد المغرب الى الأبد، ولكن الشيخ عبد الكريم الخطابي وابنه محمد بدءا بتجميع القبائل المتناحرة، ومراسلة الخليفة العثماني في عاصمة الخلافة، وعندما قتل الإسبان الشيخ المجاهد عبد الكريم الخطابي رحمه اللّه، وأسروا ابنه الشيخ محمد، ووضعوه في أحد السجون في قمة جبل من جبال المغرب، وبعد حين من الأسر خرج الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من السجن ليكوِّن من رجال قبائل الريف المغربي جيشاً من ثلاثة اَلاف مقاتل فقط، مبتكرًا بذلك فنًا جديدًا من فنون القتال العسكري كان هو أول من استخدمه في تاريخ الحروب تحت اسم "حرب العصابات"، وثم ابتكر نظام حفر الخنادق الممتدة تحت الأرض حتى ثكنات العدو، وبذلك استطاع الحاق الخسائر الفادحة بالجيش الإسباني. ولما تضاعفت خسائر الإسبان ارسل ملك اسبانيا جيشًا كاملًا لمحاربة الثوار، وتواجه الطرفان في معركة "أنوال" المشهورة، جيش إسباني منظم مكون من 60 ألف جندي مع طائراتهم ودباباتهم مقابل 3 آلاف مجاهد الذين انتصروا تحت قيادة الخطّابي على جيش كامل، وقتل المسلمون 18 ألف إسباني، وأسروا عشرات الآلاف من الغزاة، ولم يسلم من الهلاك والأسر إلّا 600 جندي إسباني. الخطابي قام بعد ذلك بتاسيس "إمارة الريف الإسلامية" في شمال المغرب الإسلامي، وخلال 5 أعوام من إمارته قام بتعليم الناس الدين الإسلامي الصحيح الخالي من الشعوذة والدروشة، ثم قام بإرسال البعثات العلمية لدول العالم، وتوحيد صفوف القبائل المتناحرة تحت راية الإسلام.

الدول الأوروبية لم تسلم بالواقع الجديد بل كوّنت تحالفًا من نصف مليون جندي بكامل عتادهم من دبابات وطائرات وبوارج حربية، ليحاربوا به 20 ألف مجاهد فقط، الا ان المجاهدين انتصروا تحت قيادة المجاهد الخطابي في جميع الجولات التي خاضوها، مما اضطر جيوش أوروبا المتحالفة أن تشتري ذمم بعض شيوخ الطرق الصوفية المبتدعة، فقام هولاء الخونة بقتال الأمير الخطابي الذي كان يحارب البدع مثل ، فأصدروا فتوى تحرم القتال مع الخطابي، قبل أن تقوم طائرات فرنسا وإسبانيا بإلقاء الأسلحة الكيميائية والغازات السامة على المدنيين، في نفس الوقت الذي حاصر فيه الأسطول الإنجليزي سواحل المغرب، ولم يبقَ مع الخطابي من المجاهدين إلَا 200 مقاتل. وعندها استعمل الصليبيون أسلوبهم المخادع ، لقد لجأ وطلبوا الصلح مع الخطابي وتعهدوا بإعطاء المسلمين الضمانات الموثقة على سلامة كل المجاهدين وإتاحة سبل العيش الكريم لأهل المغرب بكل حرية واستقلال. ولكنهم نكصوا بعهدهم وخطفوا الخطابي وسجنوه في جزيرة في المحيط الهندي.

الخطابي لم يكن مدرسة للمسلمين فقط بل نال احترام وتقدير الكثير من شعوب العالم وكان مثالًا يتعلم منه قادة حركات التحرر فهذا الزعيم الصيني ماوتسي تونغ يقول مشيدًا به "ان أول درس تعلمته في حرب التحرير الشعبية هو من تجربة النضال والكفاح الذي قاده عبد الكريم الخطابي في الريف بالمغرب."
اما الزعيم الفيتنامي " هو شي منة" الذي قاوم الفرنسيين واليابانيين والأمريكان مقاومة ضارية فقد قال عنه "لقد استفدت من طريقة الخطابي".. اشارة منه الى الطريقة التي ابتكرها الخطابي وهي حرب العصابات والخنادق وخاصة تكتيك "الخندق الواحد"، أي جندي أو اثنان في كل خندق مع مسافة فاصلة بين خندق وآخر حتى لا تكون الخسائر البشرية كبيرة.

لم يستطع الاستعمار هزيمة الخطابي ورفاقه، ولكن الهزيمة جاءت من الداخل، من السلطان والصوفيين ، وعن هذا الخيانة قال الخطابي :" الهزيمة جاءت من الداخل، ولو لم يكن هناك دعم داخلي للمحتل لانتصرنا". الخيانة من الداخل جعلته مضطرًا يوقع على اتفاقية صلح مع الغزاة الذين اخلوا بالاتفاق وسجنوه منفيًا لمدة 21 عامًا في جزيرة صخرية نائية في المحيط الهندي تبعد 13 الف ميلاً عن بلاده.

ومن محاسن الصدف أن الملك فاروق هو الذي حرره من السفينة الفرنسية التي كان على متنها وكانت تنقله من الجزيرة لمواصلة الاعتقال في مكان اخر، حيث اعترض الجيش المصري السفينة اثناء عبورها قناة السويس وأستقبله الملك فاروق ليعيش في مصر معززًا حتى انقلاب الضباط على الملك فاروق، فتم تقييد حركة الخطابي في عهد جمال عبد الناصر حتى توفي سنة 1963، وتعمدت السلطات المصرية عدم قيام وسائل الإعلام بالتركيز على الوفاة وعلى شخصية الراحل والاكتفاء بدفنه بجنازة متواضعة بعيدًا عن الأضواء.

هؤلاء قادتنا الخالدين وهم قدوتنا ولتذهب الرموز المستوردة الى مزابل التاريخ..