كتب سعيد بدران 

ردود الفعل التي رافقت الإعلان عن بنود صفقة القرن، كانت بالمجمل، عبثية وساخرة تفتقد إلى كثير من الشفافية والأدب، وتفضح في بعض الأماكن تفاخرنا الكاذب في الإنتماء والوحدة وبعض الشعارات الهشّة.

لقد فضح البند الذي يتطرق لنقل مجمعات سكنية من منطقة المثلث الخاضعة حاليًا للسيادة الاسرائيلية، لحكم الدولة الفلسطينية العتيدة- الشعور الباطني عند بعض الناس "برغد" العيش المزيف، والاعتقاد الوهمي بالتميز والاحساس بالفوقية الكاذبة ازاء الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني الذي يعيش خلف الجدار العنصري.

واضح أن هذا الشعور لم يكن محض صدفة بل تجسيدًا لغريزة دخيلة استوطنت الذهن والتفكير السطحي يمتطيها هذا وذاك للهروب من حالة الشعور بالدونية الناتجة عن عقدة "الخواجه" التي ترسبت في الذهن يومًا بعد يوم منذ حوالي سبعة عقود ونيف من الزمن، وطفّت على السطح أكثر وأكثر بعد هزيمة حزيران 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. 

إن من يعود إلى الوراء ليتصفح الذاكرة قليلًا، سيصطدم بهذا الواقع ويرى ان الكثير من فلسطينيي 48 الذين تعاملوا فيما بينهم بالفوقية والدونية قبل حزيران 67، قد نسخوا هذا النمط من السلوك واستعملوه في تعاملهم الاستعلائي مع الاشقاء من فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزّة، (وحتى أكون صادقا ومعتدلا بالحديث فأنا لا أتكلم بشكل عام)، ونعتوهم بتسميات كثيرة للتقليل من شأنهم وقيمتهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تعريفهم بكنية ال "ضفاوي" وال "ضفاويين"، وهي كلمات تنم عن عنصرية نتنة واستهتار بالاخر وتحمل في اكنافها رائحة من الاستهزاء المبطن.

واضح أن هذا السلوك جاء نتيجة الوضع الاقتصادي الافضل، في حينه، بعد السماح لفلسطينيي 48 بالاندماج بسوق العمل اليهودي والتنقل بحرية في ارجاء البلاد، مما جعلهم يكتسبون صفات دخيلة على مجتمع عربي محافظ، صفات تحولت لحالة من التقليد الاعمى تحت تاثير الانفتاح السريع وغير المنضبط على المجتمع اليهودي وخاصة النمط الاشكنازي الغربي. وظهر ذلك بوضوح بنمط اللباس، المظهر الخارجي والحركات، اللغة والأسماء والسلوكيات والضوابط والمسموحات والممنوعات ... وهذا السلوك والنمط من الحياة انتقل ايضًا لأغلب الشرائح في المجتمع القروي العربي في الداخل الفلسطيني. وهنا توجب الإشارة إلى أن هذه التحول بالسلوك قد انتقل ايضًا إلى المجتمع الفلسطيني بالضفة الغربية وقطاع غزة نتيجة الاندماج اللاحق بالمجتمع الإسرائيلي ولكن بوتيرة اقل بكثير وتوقف تقريبًا بعد اندلاع الانتفاضة الأولى في أواخر سنوات الثمانينات من القرن الماضي.


وفي المقابل، فان المجتمع الفلسطيني بالضفة الغربية والقطاع رغم ظروف المعيشة الصعبة، فقد تميز بانه أكثر تعاونًا وأوسع ثقافة واهتمامًا بالتعليم وأكثر تمسكًا بالدين، ولا ننسى حين ننسى أن المدن الفلسطينية الكبيرة (نابلس، رام الله والخليل) فاقت بتقدمها وقوتها الاقتصادية مجتمع الداخل الفلسطيني....


لا يخفى على أحد أن نقل مناطق واسعة من المثلث لسيادة الدولة الفلسطينية "العتيدة" كما جاء في صفقة القرن، كشف ردود الفعل الرافضة لهذه الخطوة فلماذا إذا نرفض وقد حلمنا بدولة فلسطينية..؟

إن رفض الفكرة جملة وتفصيلًا وبدون تروي وفحص تفاصيلها ليس غريبًا فالإنسان يوجس خيفة من كل تحول قد يطرا على نمط حياته التي تعود عليها، ويراوده التفكير والقلق من التغيير ومركباته، حسناته وسيئاته، والاهم الربح والخسارة اي ماذا ساربح وماذا ساخسر في حالة تحقيق هذا التغيير؟
وهنا تكمن المعضلة في فكرة النقل لدولة تفتقر لأدنى مركبات الحرية واهمها الأمن والأمان وحرية التنقل من مكان لآخر، وعدم توفر الخدمات الصحية وخدمات الرفاه الاجتماعي، وأماكن العمل والتراجع الكبير في معدل الدخل السنوي للفرد الواحد..

هذه الأسباب وغيرها حاول الكثير إخفاءها وعبروا عنها بأسلوب السخرية والنكت والتي كشفت حقيقة العلاقة بين الاشقاء وتركت شعورًا سيئًا لدى شريحة كبيرة ما زالت تعيش جرحًا نازفًا منذ النكبة ومرورًا بقتل امالهم بعد هزيمة حزيران.. 


وباختصار، فإن الأسباب التي تؤدي إلى رفض الفكرة والخوض والعبث فيها كثيرة جدًا يمكن تلخيصها بكلمات مختصرة ؛
" نحن نخاف العيش في دولة ذات سيادة عربيه ( فلسطينية ) لأننا سنخسر امتيازات الهوية "الزرقاء" ....