مخطئ من يظن أن التلاعب بالكلمات قد ينجح بتغيير ما خُزِّن في الذاكرة، وأصبح راسخًا في الذهن، نتيجة للمشهد المتكرر والمتواصل الذي تعيشه العَيْن يوميًا، فالتلاعب بالكلمات والشعارات قد ينجح بدغدغة المشاعر واستمالة العواطف بشكل مؤقت، ولكن سرعان ما يصطدم العقل بالواقع فيتلاشى هذا التأثير، لتنتفض استقلالية الفرد على كلمات الاستغفال والاستهبال.
الكلمات، كما قيل، ليس لها معاني متحركة ومؤقتة ومتغيرة من مكان لآخر، ومن مجتمع لآخر، فهي تعيش كالأفكار، ولا يمكن تسخيرها للمصالح الآنية والفوائد الشخصيّة وخاصة في المجتمعات المتحضرة والمستقلة فكريًا وثقافيًا.

يعتبر اسلوب التلاعب بالكلمات وصياغتها، نوعًا من أنواع الفن الذي يتعلمه ويتقنه الكثير من السياسيين للوصول إلى قلوب الجمهور بعد قيامهم بتشخيص المرغوب لدى جمهور الهدف طبعًا، وتجنب المرفوض عندهم.

وهذا الاسلوب هو إحدى الوسائل التي يستخدمها المتلاعبون بالكلمات، والذين كانوا ولا زالوا يتخفون بين الحين والآخر، تحت عباءات مختلفة لتضليل الآخرين، وفي كل مرة يطلّون بوجه آخر. واكثر من يتقن هذا الاسلوب هم السياسيون بهدف التأثير على قناعات الفرد بشكل خاص والجمهور بشكل عام، ومحاولة استمالة وِدّهم و"تغيير" آرائهم ومواقفهم لتحقيق غايّة في نفس يعقوب.

يظهر هذا الاسلوب جليًّا في الحملات الدعائية الانتخابية حيث يبدع المرشح ومؤيديه بالتلاعب بالكلمات ابتغاء اكتساب تأييد الناخب والسيطرة على ذهنه بواسطة ترسيخ صورة في مخيلته مناقضة تمامًا عن المعنى الحقيقي والواقع الذي يعيشه في الحياة اليومية، وينتج عنه تغيير في التصرف، وكذلك التصور وردة الفعل، وهذا قد يعود بنتائج إيجابية لصالح المرشح ومؤيديه بنسب متفاوتة، وتختلف من شريحة مجتمعية لأخرى، ففي الوقت الذي قد تجد اذانًا صاغية واقبالًا واسعًا في أواسط شرائح ما زالت تخضع لنهج سياسة القطيع، تجد دحضًا جارفًا ورفضًا قاطعًا في أواسط شرائح منفتحة فكريًا ومستقلة باتخاذ القرار.

ومن هنا لا بد ان يقف كل مرشحٍ ويفكر مليًا بقواعد اللعبة الانتخابية الجديدة التي تتزايد يومًا بعد يوم لدى الناخب العربي الذي بدأ يتمرد على اسس التعامل معه بسلوك الاستغفال والاستهبال، السلوك الذي يبنى بالأساس على العواطف، وعليه، أي على المرشح، ان يتعايش مع الواقع الجديد والذي يقول بأن الناخب لن يتبعه كما يتبع القطيع المرياع، وان عليه ان يفكر فيما يريده الناخب وليس فيما يريده هو، وأن يواجه الجمهور بوجهه الحقيقي حتى لو كان فاشلًا، ولا يحاول الاحتيال عليهم تحت مسميات واقنعة مستبدلة كما غيّروا اسم “الحماة” إلى “خالتو” ليقنعونا بأن العلاقة بين الحماة والكنة صِرْنَّ كالسمن على العسل.

سعيد بدران 1905