خلافًا لمجريات الأحداث الآن في معظم البلدات العربية ، ونحن على أبواب الإنتخابات للسلطات المحليه التي تقدس المرشح العائلي ، وتعمل على ترسيخ جذور الحمائلية المتسمة بالعصبية القبلية ، فإن الانتخابات في مدينة ام الفحم تتخذ مسارًا مغايّرًا ، وترتكز على ال"شخصنة" حيث تضع شخصيّة المرشح في المركز وتدور حولها بشكل مباشر ، ثم يقوم على حمايتها مرشحون آخرون يتضح فيها وضوح الشمس توزيعهم الحاراتيّ والعائلي ، حتى يتم الحصول على حماية أكبر ويكون صَيدُها عند صندوق الإنتخاب أكثر .


وفي كلتا الحالتين ، يلاحَظ تغيّب البرنامج الانتخابي الجدّي الذي يفي بتطلعات الجمهور والذي قد يؤثر عليه لاتخاذ القرار السليم بالاختيار .

ليس سرًا بان الانتخابات في المجتمع العربي تعتبر ام المعارك ، واحيانًا يصل الامر بالكثير على تصويرها بأنها مصيرية من منطلق واضح "أن نكون أو لا نكون" وانطلاقًا من قاعدة تقديس السيطرة الحمائلية و "فتل العضلات" وإشارة إلى " نحن هنا ".

هذا هو الواقع رغم اننا نتغنى بالديموقراطية بالليل والنهار ونتصرف كالمجتمعات الراقية فكريًا ومجتمعيًا بينما ننتهج مقاييس انتخابية بدائية تقودنا الى ترسيخ العائلية ، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث تفكك مجتمعي وفقدان البوصله وتغييب المصلحة العامه ثم سداد الديون لأصحابها وتقسيم الكعكة لأصحاب "الفضل" في صناعة الرئيس أو المرشحين .  

لا ادري لماذا لا نختلي مع انفسنا ونفكر مليًا بالصفات والميّزات التي يجب أن تتوفر في شخصيّة المرشح وحاجاتنا وما ينقصنا ، والتفكير بالمعايير والمقومات التي يتم الاختيار وفقها ( أهي البرنامج الانتخابي ، ام الشخصية أو الحمولة التي ينتمي اليها ) ؟.

لا شك ان البرنامج الانتخابي هو الأساس والفاصل عند تفكيرنا لاتخاذ القرار واختيار المرشح الافضل ، ثم قدرة المرشح وكفاءته على العمل ، ليكون الاجدر بنيل الثقة لإدارة البلدية في الدورة الرئاسية القادمة ، حيث يملك القدرة الفذه لتمرير القرارات الجريئه والذي لا ولن يخضع لتوجيهات المتسلقين والطامعين بالمكاسب والمصلحة الشخصية ، ملتزماد بوعوده التي لا يتنصل منها صباح اليوم التالي .
لكنه يبدو واضحا ، كما اعتدنا دائما ، أن يقودنا الجو العام الذي يسود الشارع الانتخابي والذي قد يكون مغلوطًا ومصبوغًا بالضجيج إلى حيث القرار بدوافع عاطفية ومتسرعة وغير مسؤوله ، وهذا ما يحدث على أرض الواقع .

يبدو جليا كيف أن المرشحين في مجتمعنا العربي يسعون لإقناع الناخبين بانتخابهم بشتى الطرق ، ويتجاهلون الوسيلة الاهم من خلال عرض برنامجهم الانتخابي ، والكفالات التي يقدرون على إعطائها للناخب الفحماوي ، ثم نغرق في محيط واسع من الملصقات الدعائية التي تقوم بتلميع هذا المرشح أو ذاك ، وكل حسب قدرته الماليه فيضيع فيها المحتاج ويعلو فيها الغني ، فتصبح وكأنها دعاية تجارية لمسحوق غسيل أو ملابس جديده للعيد ..

ولذلك ، كما يبدو واضحا ، بتقديري ، أن المشكلة التي نصطدم بها دائمًا أن القُوَى الرئيسية التي يريد الجمهور استبدالها بسبب شبهات أو فشل أو اتهامات بالفساد المالي والاداري أو غيرها ، هي ذاتها التي تسيطر دائمًا بواسطة المال وغالبًا ما تتمكن من تزييف إرادة الناس بوسائل عدة وتعطيل الذاكرة ، وتقف حجر عثرة امام التغيير الحقيقي الذي يصبو إليه الناخب ، واهمها التغيير بالعمل والادارة وتغيير الوجوه إذا لزم .

فلهذا ، وللاسف الشديد ، ما بين الواقع والحلم وبين سيطرة المال وتعطيل التفكير عند العامة بالكذب والإستغفال ، فإن المعايير العائلية كثيرًا ما تفرز مرشحين يفتقدون لأدنى مقومات القيادة حتى لو كانوا ميسوري الحال ومن طبقة الأغنياء إذ أن النجاح بجمع المال لا يعني أن المرشح مؤهل للنجاح بإدارة السلطة المحلية ، وحتمًا سيقودها إلى الهاوية وسيكون لقمة سائغة في فم ثلّة قليلة من الحاشية والذين يديرون الأمور من وراء الكواليس ويقومون من هناك بتحريك الدمى الخشبيه .

على الناخب ان يتمتع بدرجة من الوعي عند اتخاذ القرار باختيار الرئيس المناسب والذي تتوفر فيه شخصية جريئة مليئة بالطاقة والإراده ، ولذا على الناخب الاختيار بهدوء وعقلانية من خلال النظر إلى مسيرة وخبرة المرشح والتركيز على نجاحاته المهنية والعملية ايضًا.
وليس بالضرورة أن يكون المرشح حاملًا شهادات جامعية رفيعة المستوى ، لأن الألقاب الأكاديمية ليست كفيلة بالتغيير ولا تعتبر ضمانًا للنجاح بإدارة العمل البلدي ، والأمثلة كثيرة بهذا الصدد ، ولكنه في عصر العولمة والتطور التكنولوجي لا بد من ان تتوفر فيه صفات عدة أهمها أن يغير مفاهيم الممكن والمستحيل والسيادة من أجل الخدمة أو المُلك والسلطه وكيف يسهر الليل حين يكون الناس نيام ليحاسب نفسه ويفكر كيف ستكون بلده في اليوم الجديد ، وليس أقل من ذلك أن يتقن العمل على الحاسوب واجادة الحديث والكتابة باللغتين العبرية والعربية على الأقل بل وأكثر ، وأن تكون الحكمة ضالّة الرئيس أينما وجدها فبلده أحق بها ( بعيدا عن ال "أنا" وعن سياسة إلغاء "الآخَر" ) .

مجتمعنا العربي مليء بالمتعلمين والمثقفين وأصحاب المناصب الرفيعة والذين لهم باع طويل ورصيد واضح ممن يملكون القدرة على إدارة دفّة العمل البلدي بمهنية عالية ولكن هؤلاء يتم استبعادهم عن مركز القرار . بل والانكى من ذلك ان بعضهم يشارك بلعبة ترسيخ العائلية في الانتخابات المحلية ، ويستميت من أجل مرشحيها ، حتى لو كان ذكاؤهم اقل من الدرجة الرابعة عشر على سلم الذكاء البشري.

سعيد بدران 1905