من الواضح لنا أن أزمة "القس المعتقل " لم تكن هي السبب الأساسي في أزمة العلاقات التركية –الأمريكية الأخيرة والتي وصلت إلى قمة من السوء لم تصلها سنوات طويلة منن قبل ، بل هي كانت بمثابة "قشة " قصمت ظهر بعير مثقل بالأعباء والأحمال ورواسب علاقة مركبة بدأت تتوطد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ثم مرت بعمليات هبوط وصعود عديدة ولكنها لم تتغير بالجوهر من حيث سباحة حكام تركيا المختلفين – علمانيين ومتدينين على حد سواء – في فلك السياسة الأمريكية وآفاق حلف شمال الأطلسي . 

لكنّ ثمة عاملين اثنين عملا على "قصم ظهر البعير" في الفترة الأخيرة ، أولهما وصول الرئيس التركي رجب الطيب أوردغان إلى قناعة تامة باستحالة استيعاب تام وسلس لتركيا في المنظومة الأوروبية لأسباب تاريخية واستراتيجية وإثنية ودينية ، وثانيهما سياسة " غباء القوة " الخرقاء التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والذي يخبط في العالم خبط عشواء بناء على أماني القلب وتقلب الأحشاء وهو أمر لا يناسب مع من يقف على رأس أكبر قوة عظمى أو ما يسميه أيضاً " العالم الحر" . 

وقد تكون معارضة سياسة "العقاب " التي يمارسها ترامب ضد تركيا وبهذا الشكل الفظ هي المصدر الأساسي لمشاعر التعاطف والحملات الشعبية معها وبغض النظر عن سياسات تركيا وأوردغان خاصة في منطقتنا والتي لا تتناسب في بعض الأحيان مع طموحات ورؤى بعض المتعاطفين خاصة أولئك الذين يدركون الأبعاد الخفية الإثنية –القومية لتلك السياسات . الحملات الشعبية المتعاطفة مع تركيا وعملتها في وجه سياسة " البلطجة " ( ولا ننسى الأصول التركية لهذا المصطلح ) الأمريكية ، هي عامل مهم ولكنها غير كاف لمنع تسارع عملية انهيار الاقتصاد التركي . 
والأهم هو إعادة نظر معمقة بالخطوط الإستراتيجية للسياسة الإقليمية والدولية التركية وأهمها صياغة مجددة للسياسة التركية في سوريا والتي يجب أن تكون منصبة على احترام السيادة السورية وإعادة وضع الحدود الدولية والممرات بين البلدين إلى سابق عهدا من قبل ربيع 2011 ، بما ذلك تحسين العلاقات التركية –السورية والتركية الروسية بشكل يمهد لحل جذري للأزمة في الشمال السوري ويقود لحل عام للمسألة السورية وإعادة إعمار سوريا الذي قد تكون لتركيا مساهمة كبيرة فيها بشكل يعيد لسوريا عافيتها ولليرة التركية نضارتها وقوتها بعيدا عن الغطرسة والبلطجة الأمريكية .