تساءل الصحفي البريطاني روبرت فيسك في مقاله بصحيفة "إندبندنت" قائلا: "ألم تتبق إهانة لم توجه للفلسطينيين؟".

ويضيف في المقال الذي ترجمته "عربي21"؛ بعد أوسلو، وبعد "حل الدولتين"، وبعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، وبعد الاستيطان اليهودي الواسع الذي سرق أراضي الملاك العرب، وبعد القتل الجماعي في غزة وقرار ترامب بأن القدس، كل القدس، هي عاصمة إسرائيل، "يُطلب من الفلسطينيين التسوية وحل النزاع بالمال وقرية بائسة؟ ألم يبق هناك حياء؟".

ويقول: "بالنسبة للفلسطينيين، فإنهم سيحصلون قريبا على "صفقة القرن"؛ الصفقة الكبرى. وهي مثل سابقتها نهائية وأبدية وشاملة ودون أوراق. لعب ومال.. خذوها أو اتركوها، وإن لم تفعلوا فاذهبوا للجحيم، استسلموا أو كفوا، هذه صفقة نهاية اللعبة، وهي عبارة عن قرية يرثى لحالها كعاصمة (أبو ديس)، ودون نهاية للاستيطان، ولا أمن أو جيش، ودون استقلال أو حدود ولا وحدة مقابل الحصول على مبلغ ضخم من الدولارات واليورو وملايين الجنيهات وملايين الدنانير والشيكلات".

وينقل الكاتب ما قاله من سماه "ولي العهد" كوشنر لصحيفة فلسطينية (أعتقد أن الفلسطينيين لم يعودوا مهتمين بكلام السياسيين أكثر مما يعتقدون أن الصفقة ستنعكس على حياتهم والأجيال المقبلة، من ناحية الفرص ووظائف برواتب جيدة ومنظور حياة أفضل)، ثم يتساءل إن كان صهر ترامب و"مستشاره" في شؤون الشرق الأوسط وتاجر العقارات والمستثمر الأمريكي واهم؟ فبعد ثلاث حروب عربية- إسرائيلية وعشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين وملايين اللاجئين؛ هل يعتقد كوشنر أن الفلسطينيين سيقبلون بحفنة دولارات؟".


ويضيف: "ألم يلاحظ أن الفلسطينيين الذين تظاهروا وعانوا خلال السبعين عاما الماضية، لم ينظموا أبدا احتجاجات يطالبون فيها بتحسين الشوارع والطرقات ومناطق حرة ومطار جديد؟ هل يعتقد أن الغزيين زحفوا نحو السياج الحدودي القاتل لأنهم يطالبون بإنشاء وحدات للولادة؟ كيف يقوم بإحراج كل الأمة العربية عندما يقترح أن حريتهم وسيادتهم واستقلالهم وكرامتم والعدالة والوطن هي مجرد كلام ساسة؟ ألا يوجد أي نهاية لكل هذا الجنون؟".

ويجيب: "لا؛ فالتفاصيل التي ترشح في الصحافة الإسرائيلية حول صفقة القرن لكل من ترامب- كوشنر، خاصة الصحيفة المبجلة "هآرتس"؛ تقول إن على الفلسطينيين أن يتخلوا عن القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين المستقبل، وأن إسرائيل ستنسحب من عدد قليل من القرى في شمال وشرق القدس، ومنها أبو ديس لخلق عاصمة، وأن الدولة الفلسطينية ستظل منزوعة السلاح، وستبقى كل المستوطنات لليهود، وأن إسرائيل ستسيطر على وادي الأردن، وانس حق العودة. وكل هذا مقابل مشاريع بنية تحتية بمليارات الدولارات ومناطق حرة في العريش بسيناء وضخ الأموال للضفة الغربية وقيادة فلسطينية جديدة"، وسيُخرج "الديكتاتور الفاسد المخرّف والمتغطرس محمود عباس، الذي وصفه كوشنر بأن قيادته "لا أفكار لها" و"لم تقم بجهود ذات حظ من النجاح"؛ مقابل قيادة براغماتية (وهذا تفكير واهم) مطواعة ومحبة للسلام ومنبطحة أكثر من عباس نفسه".


ويعتمد كل هذا الهراء، يضيف فيسك، "على ثروات السعودية التي يناقش ولي عهدها الأخرق مع والده الملك، أنه لا يريد التخلي عن المبادرة العربية التي تدعو لدولة فلسطينية عاصمتها القدس، وعلى الملك عبدالله الثاني الضعيف الذي فرض صندوق النقد الدولي عليه معاناة اقتصادية أدت لشغب غير مسبوق وسقوط الحكومة، وتعتمد على مصر ومارشالها/رئيسها الذي سيكون سعيدا بفرض القانون والمنافع الاقتصادية التي سيجنيها على الحدود المصرية مع غزة".


ويقول: "هل يضحك الواحد أم يبكي؟ عندما نقل ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وسط مذبحة غزة صرخ العالم ثم سكت، فالصورة المقسومة بين الفرح والحزن والقتل الجماعي الذي كان يتم على بعد أميال، قد طبع حالة الظلم والموت في النزاع العربي- الإسرائيلي. وقد خرجوا من هذا، فعندما يقف دبلوماسي أمريكي في القدس على خلفية خشخشة صوت الرصاص في جبهة غزة، فماذا تتوقع بعد؟".

ويضيف: "هناك شيء ساخر أن يجلس الدبلوماسي الأمريكي "صانع السلام" إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ففي الغرب اخترنا ولسبب صحيح عدم التركيز على الخلفية الدينية والإثنية لهؤلاء الرجال، لكن الإسرائيليين يركزون. وقد فعل ذلك أوري أفنيري، وأشارت إليه صحيفة "هآرتس"، من أنهم جميعا يهود، واثنان منهم على الأقل داعمان متحمسان للاستيطان الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية الفلسطينية، بمن فيهم السفير الأمريكي الذي وصف مؤسس حركة جي ستريت المعتدلة بأنها "أسوأ من كابوس"؛ أي حرس المعسكرات النازية".

ويتساءل: "ألم يكن من الممكن ضم مستشار أمريكي مسلم ضمن السلك الدبلوماسي الأمريكي؟ ألم يكن هناك فرصة للانتفاع بنصيحة شخص يشترك في الدين مع النصف "الآخر" الذي يريدون اقتراح سلام عليه؟ لكن لا ولا يهم، فقد قطع عباس كل العلاقات الدبلوماسية مع البيت الأبيض منذ اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل وسحب السفير من واشنطن. ويقول إن الصفقة الكبرى التي كانت أصلا اتفاق أوسلو، الذي كان مسموما وقاد إلى سلسلة من التراجعات الصغيرة والانسحابات واحتلالات جديدة، ومؤتمرات لمكافحة الإرهاب، ويمثل الآن الإهانة الكاملة للشعب الفلسطيني- لا للقدس الشرقية ولا نهاية للاستيطان، ولا اعتراف بحق العودة ولا دولة ولا مستقبل.. فقط مال".