وتتوالى الأحداث المؤسفة فيتصدر موضوع العنف المستشري صدارة الحوار اليومي في الشارع والصالات المغلقة، وتنهال علينا بيانات الشجب والاستنكار تراققها منشورات الغضب على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن سرعان ما يبدأ هذا الاهتمام بالتلاشي رويدًا رويدًا وما ان تتوسط الشمس منتصف السماء حتى نبدأ بالعودة لحالتنا "الطبيعية"، ومع حلول المساء نتناسى ما حدث، ونسترسل في حالة من اللامبالاة (Impassivity) مجددًا وكأنه لم يحدث شيء على الإطلاق.

جريمة مقتل الشيخ محمد عبد الغني لم تكن الجريمة الأولى وطبعًا لن تكون الأخيرة، وكسابقاتها من أعمال العنف ستطوى، وحتمًا لن تؤدي لرد فعل مغايّر، فسلوكنا صار تصرفًا وجدانيًا وتوقفنا عن الاهتمام في امور حياتنا اليومية والأحداث العامة ايضًا.
لماذا وصل بنا الامر الى هذا الحال من اللامبالاة التي نعيشها؟ اهي نتيجة عدم توفر الإرادة على الفعل لتغيير الواقع سيما واننا فقدنا القدرة على الاهتمام بالنتائج المتعلقة بالفعل ذاته؟.

لا شك اننا نعيش حالة مرضية او متلازمة (Syndrome) جعلتنا نفقد القدرة على حل المصاعب التي تواجهنا وتظهر بوضوح مدى ضعفنا وعجزنا أمام التحديات مما يؤدي بنا الى الانزواء جانبًا بعيدًا الواقع المكتظ بالمشاكل الامر الذي يعني اختيارنا مسلك الهروب إلى حالة من أحلام اليقظة والتبلد، والذي يأتي كرد فعل ذاتي محاولين اقناع انفسنا باننا لا نملك القدرة على مواجهة الواقع الصعب.

حالة اللامبالاة التي تعيشها المدينة في الوقت الحالي لا تختلف كثيرًا عن الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى والتي ظهر فيها مصطلح "صدمة القذيفة" التي غالبًا ما تحدث بعد أن يشهد المرء ضغوطات وصدمات نفسية مروعة، مثل القتل أو التشويه كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى للجنود الذين كانوا يعيشون في الخنادق وسط القصف ونيران الرشاشات، وشهدوا معارك سقط فيها القتلى والمشوهين مما رسخ فيهم شعور اللامبالاة وفقدان الحس بالتفاعل الاجتماعي.

حالة اللامبالاة خطيرة جدًا اذا ما رسخت جذورها في عقل الفرد وأصبحت جزءًا من حياته اليومية والأخطر منها هي حالة الشعور بالاغتراب حيث يسيطر على الفرد الشعور بعدم الانتماء للجماعة التي تحيط به.

هذا الحادث المؤلم والقاسي اظهر بشكل ملحوظ انخفاض وتيرة تحميل الشرطة مسؤولية ما يحدث، ويبدو ان هذا يتعلق بحالة اللامبالاة ايضًا، وفي المقابل كشف ( مقتل الامام) عجز القيادات المحلية والقطرية وعدم قدرتها على التعامل في مثل هذه الحالات واكتفائها باصدار بيانات الإعراب عن الاسف والشجب والاستنكار وهذا هو الحد الأقصى الذي تقدر ان تقوم به، وكأني بهم يستعجلون انتهاء اليوم لطي ملف الحدث معتمدين بذلك ومن خلال تجربتهم على ذاكرة الجمهور الغارق في حالة اللامبالاة والذي سرعان ما يختار الهروب لينغمس مجددًا بالجدل حول ميسي ورونالدو والاختلاف بالمسالة السورية والاهم قضية التناوب؟.

ولكن لا أدري لماذا راودني السؤال، حين قرات الخبر المؤسف، ماذا كان رد فعل رئيس حكومتنا الرشيدة بنيامين نتانياهو ووزير الأمن الداخلي اردان عندما بلغهم صباح أمس الاثنين نبأ مقتل عربي آخر؟!

سعيد بدران 1905